في الأردن، لم يعد الحديث عن تعديل قانون الضمان الاجتماعي تفصيلاً تشريعياً عابراً، بل أصبح مسألة تمسّ الاستقرار الشخصي والاقتصادي لمئات آلاف الأسر، ورفع سنّ التقاعد ليس رقماً يُضاف إلى نص قانوني، بل قرار يعيد رسم مسارات الحياة، ويؤخر بدايات جيل كامل ينتظر فرصته الأولى في سوق العمل.
وحماية استدامة المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي هدف لا يختلف عليه اثنان، فالضمان هو حصيلة أعمار من العمل، وركيزة أمان اجتماعي لا يمكن التفريط بها،و لكن حماية الصندوق لا تعني نقل القلق من دفاتره المالية إلى صدور المواطنين،و الإصلاح المالي لا ينجح إذا جاء على حساب الثقة العامة.
الموظف الذي أمضى سنوات طويلة في وظيفته لا يتمسك بموقعه بدافع الأنانية، بل بدافع الأمان، وفي الجهة الأخرى، الشاب الذي يحمل شهادته وكفاءته لا يطلب امتيازاً استثنائياً، بل فرصة عادلة،والمشكلة لا تكمن في هذا ولا ذاك، بل في غياب رؤية متكاملة تضمن انتقالاً طبيعياً ومتوازناً بين الأجيال داخل سوق العمل.
وتعديل قواعد التقاعد بعد سنوات من الاشتراك يضع شريحة واسعة أمام واقع جديد لم تخطط له،و الحقوق التقاعدية ليست منحة، بل التزام متبادل بين الدولة والمواطن، وأي تغيير يمسّ شروط الاستحقاق أو يؤخره دون ضمانات واضحة يُشعر الناس بأن الأرض التي وقفوا عليها طويلاً لم تعد ثابتة كما كانت.
الشباب اليوم لا يرهقهم العمل، بل الانتظار،والانتظار الذي يمتد عاماً بعد عام، ويتحوّل إلى شعور بأن الزمن يسبق الفرص، وكلما طال أمد البقاء في الوظائف دون توسعة حقيقية في فرص التشغيل، ازداد الاحتقان الصامت وتعمّق الإحساس بالإقصاء.
القضية أكبر من سنّ تقاعد، إنها مسألة عدالة اجتماعية وثقة عامة،و قوة أي نظام ضمان لا تُقاس فقط بصلابة أرقامه، بل بقدرته على طمأنة الناس إلى أن حقوقهم مصونة، وأن الإصلاح لا يتم على حساب الأضعف، ولا يترك جيلاً كاملاً في مقاعد الانتظار.
الوطن لا يحتمل معادلة يربح فيها طرف ويشعر آخر بالخسارة.
الاستقرار الحقيقي هو الذي يوفّق بين حماية من أنهوا مسيرتهم المهنية، وفتح الأبواب أمام من لم تبدأ مسيرتهم بعد، وما دون ذلك يبقي القلق سيد المشهد، ويحوّل الضمان من مظلة أمان إلى عنوان جدل دائم.