facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




استعدادًا للحرب .. حين تصبح الرواية خط الدفاع الأول


حسن عبدالحميد الرواشدة
26-02-2026 01:11 PM

في الإقليم الذي لا يهدأ، لا تُقاس احتمالات الحرب فقط بعدد الصواريخ ولا بمدى الطائرات، بل بمدى تماسك المجتمعات وصلابة روايات الدول. الحديث اليوم عن احتمال انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة بين واشنطن وطهران لم يعد ترفًا تحليليًا.

بالنسبة للأردن، الدولة التي عاشت تاريخها الحديث على تماسّ دائم مع الزلازل الإقليمية، فإن الاستعداد لا يعني فقط خطط الطوارئ الاقتصادية، أو جاهزية سلاسل الإمداد، أو حماية المجال الجوي. هذه عناصر ضرورية، لكنها ليست كافية. الاستعداد الحقيقي يبدأ من تحصين الداخل، سياسيًا واجتماعيًا وإعلاميًا. لأن أخطر ما في الحروب الحديثة ليس فقط نيرانها، بل فوضى رواياتها.

الأردن ليس طرفًا مباشرًا في صراع، لكنه بحكم الجغرافيا والسياسة والاقتصاد سيكون متأثرًا على نحو عميق. نحن دولة تعيش في بيئة إقليمية متشابكة المصالح. أي حرب واسعة ستنعكس على الأمن، وعلى الاقتصاد، وعلى الرأي العام. وهنا تحديدًا يبدأ التحدي كيف تحمي الدولة استقرارها الداخلي وسط عاصفة روايات متناقضة، وتحريض رقمي عابر للحدود، وضخ إعلامي كثيف من كل الاتجاهات؟.

في الحروب، الفراغ أخطر من الخطأ. حين تتأخر الرواية الرسمية، تملأها روايات أخرى. حين تغيب الإجابة الواضحة، يتكاثر التأويل. وحين تتعطل ماكينة الدولة الإعلامية، ولو لساعات، تصبح الساحة مفتوحة أمام خطاب تعبوي، أو إشاعة منظمة، أو سردية قادمة من الخارج لا ترى في الأردن إلا ساحة ضغط إضافية.

التجارب الحديثة في المنطقة أثبتت أن المعركة على الوعي لا تقل شراسة عن المعركة على الأرض. في زمن المنصات الرقمية، لا تحتاج الشائعة إلى أكثر من دقائق كي تتحول إلى "حقيقة" في أذهان آلاف الناس. وفي لحظات التوتر، يصبح المجتمع أكثر قابلية للتصديق وأكثر حساسية لأي خطاب يستثير المخاوف أو يلامس الهويات. هنا تحديدًا يكمن خطر الداخل، ليس بالضرورة كخيانة أو سوء نية، بل كارتباك، أو تردد، أو قرار بيروقراطي خاطئ بترك المساحة فارغة.

الرواية الرسمية ليست بيانًا عابرًا، بل منظومة متكاملة. هي وضوح في الموقف السياسي، وشفافية في المعلومة، وسرعة في الاستجابة، وتماسك في الخطاب. يجب أن تكون كل مؤسسة تعرف دورها، وكل مسؤول مدركًا لوزن كلمته، وكل منصة رسمية قادرة على الوصول إلى الناس بلغة يفهمونها ويثقون بها. التناقضات الصغيرة في الخطاب تتحول في زمن الحرب إلى فجوات كبيرة في الثقة.

تحصين المجتمع سياسيًا يعني أولًا تعزيز الثقة بين الدولة والمواطن. الثقة لا تُبنى في لحظة أزمة، بل قبلها بسنوات. لكنها في لحظة الأزمة تُختبر. حين يشعر المواطن أن الدولة تخاطبه بصدق، وتشاركه الحقائق بقدر ما تسمح به ضرورات الأمن، وتشرح له ما يجري بلغة مباشرة، فإنه يصبح جزءًا من منظومة الحماية، لا متلقيًا سلبيًا للقلق. أما حين يشعر بأنه متروك للتكهنات، فإن القلق يتحول سريعًا إلى غضب، والغضب إلى هشاشة.

اجتماعيًا، أي حرب إقليمية واسعة ستضع ضغوطًا إضافية على الاقتصاد الأردني: ارتفاع أسعار الطاقة، اضطراب سلاسل التوريد، تراجع السياحة والاستثمار. هذه عوامل قابلة للإدارة إن وُجدت خطط واضحة، لكنها تصبح بيئة خصبة لخطاب شعبوي أو تحريضي إن لم تُدار بحكمة. لذلك فإن الخطاب الاقتصادي في زمن الحرب لا يقل أهمية عن الخطاب الأمني. الناس تريد أن تعرف هل هناك مخزون كافٍ؟ هل الأسعار تحت السيطرة؟ ما هي خطة الدولة إن طال أمد الأزمة؟.

سياسيًا، على الدولة أن ترسم بوضوح خطوطها الحمراء ومصالحها الوطنية. الأردن تاريخيًا قدّم نفسه كدولة تسعى إلى الاستقرار، وتدافع عن حل الدولتين، وترفض تحويل أراضيها إلى ساحة صراع بالوكالة. في حال اندلاع حرب واسعة، سيكون التحدي هو الحفاظ على هذا التوازن الدقيق، حماية السيادة، تجنب الانجرار، وفي الوقت نفسه إدارة العلاقة المعقدة مع الأطراف الإقليمية والدولية.

لكن كل ذلك يظل هشًا إن لم تكن هناك رواية جامعة تشرح للناس ما الذي يحدث؟ ولماذا نتخذ هذا الموقف؟ وما الذي نحميه بالضبط؟ نحن لا نحمي فقط حدودًا جغرافية، بل نحمي فكرة الدولة ذاتها، ونحمي السلم الأهلي، ونحمي مستقبل الأجيال القادمة من أن يُختطف في لحظة انفعال.

في مثل هذه الظروف، لا يكفي أن تكون الرواية موجودة؛ يجب أن تكون متماسكة وغير قابلة للتأويل المتناقض. كل سؤال يجب أن يجد جوابًا واضحًا، حتى لو كان الجواب "لا نملك كل المعطيات بعد، وسنوافيكم حال توافرها". الصدق في الاعتراف بالحدود أفضل من الصمت الذي يفتح الباب للتكهنات.

إن احتمال الحرب اليوم، بأسبابه المتراكمة، يبدو واقعيًا أكثر من أي وقت مضى. المنطقة تقف على حافة توازن هش، وأي خطأ في الحسابات قد يدفع الجميع إلى مواجهة طويلة الأمد. وإن حدث ذلك، فإن تداعياتها لن تكون عسكرية فقط، بل اقتصادية واجتماعية ونفسية. وقد ترافقنا لسنوات.

الاستعداد إذن ليس دعوة للتهويل، بل دعوة للعقلانية. ليس تحريضًا على الحرب، بل تحصينًا ضد آثارها. الأردن، بحكم موقعه ودوره، لا يملك ترف المفاجأة. خط الدفاع الأول ليس الصاروخ، بل الكلمة الواضحة. ليس فقط غرفة العمليات، بل غرف الأخبار. وليس فقط الجندي على الحدود، بل المواطن الذي يشعر أن دولته حاضرة، متماسكة، وتعرف إلى أين تمضي.

في زمن الحروب، الدول التي تنجو ليست فقط تلك التي تملك القوة، بل تلك التي تملك رواية واضحة وتحمي مجتمعها من الانقسام. وأول الطريق إلى ذلك، ألا نترك فراغًا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :