الذكاء الدبلوماسي: حين يكون الحديث فنًّا والصمت رسالة
د. هيفاء ابوغزالة
10-01-2026 01:57 PM
نُشاهد في حياتنا العامة، وفي القاعات الرسمية على وجه الخصوص، نماذج مختلفة في أسلوب الحديث وإدارة الحوار. هناك أشخاص يقدّمون أنفسهم بهدوءٍ ورزانة، يتحدثون بثقة دون انفعال، ويناقشون برويّة تجعل كلماتهم أكثر حضورًا وتأثيرًا، فيما يقابلهم آخرون يندفعون في الحديث، ويرتفع صوتهم مع تصاعد النقاش، إلى حد يفقدون معه ميزان الكلمة وقدرتها على الإقناع. بين هذين النموذجين، يتجلّى الفارق الجوهري الذي يصنعه الذكاء الدبلوماسي.
فالذكاء الدبلوماسي لا يُقاس بطول الحديث ولا بحدة المواقف، بل بقدرة نادرة على قول ما يجب، في الوقت المناسب، وبالقدر الذي يخدم الهدف دون أن يترك ندوبًا في الطريق. هناك أشخاص يتقنون فن الحديث، لا لأنهم يتكلمون كثيرًا، بل لأنهم يعرفون متى يتكلمون، ومتى يصمتون، وكيف يختارون الكلمة التي تصل دون أن تجرح، وتُقنع دون أن تستفز، وتفتح الأبواب بدل أن تُغلقها.
هؤلاء لا يملؤون القاعات خطابة، ولا يسعون إلى استعراض لغوي، بل يديرون الحوار بهدوء يشبه الثقة. حديثهم محسوب، ونبرتهم متزنة، ورسائلهم واضحة حتى حين تُغلّف باللياقة. يعرفون أن الكلمة في العمل الدبلوماسي ليست أداة تعبير فقط، بل أداة تأثير، وقد تكون أحيانًا أداة حماية. لذلك يزن أحدهم عبارته كما لو كانت قرارًا، ويدرك أن جملة واحدة غير مدروسة قد تهدم ما بُني خلال سنوات.
ويظهر الذكاء الدبلوماسي في القدرة على الإصغاء أكثر مما يظهر في الكلام. ففن الحديث الحقيقي يبدأ من فهم الآخر، لا من محاولة التغلب عليه. أولئك الأذكياء دبلوماسيًا يقرأون ما خلف الكلمات، يلتقطون التردد، ويتنبهون للغة الجسد، ويفهمون الرسائل غير المباشرة التي لا تُقال صراحة. يدركون أن الصمت أحيانًا أبلغ من الرد، وأن تجاهل الاستفزاز قد يكون أقوى من مواجهته.
وهم يتقنون أيضًا فن الاختلاف دون خصومة. يعارضون دون إهانة، ويعبّرون عن موقفهم دون تصعيد، ويتركون للطرف الآخر مساحة تحفظ له كرامته، لأنهم يعرفون أن العلاقات لا تُدار بمنطق الغلبة، بل بمنطق الاستمرارية. في عالم السياسة، لا يكسب من يحرج الآخرين علنًا، بل من يحافظ على الجسور حتى في أشد لحظات التباين.
الذكاء الدبلوماسي ليس موهبة لغوية فحسب، بل وعي بالسياق، وحسّ بالتوقيت، وإدراك عميق لتوازنات المصالح. هو أن تعرف متى تقول «نعم» دون أن تُلزم نفسك، ومتى تقول «لا» دون أن تُغلق الباب، ومتى تترك المسألة معلّقة لأن اللحظة لا تحتمل الحسم. وهو قبل كل ذلك احترام لمسؤولية الكلمة حين تخرج من صاحب موقع أو قرار.
في زمن الضجيج، حيث يختلط الصراخ بالجرأة، والاستعراض بالقوة، يبقى الذكاء الدبلوماسي قيمة نادرة. قيمة تعيد الاعتبار للعقل الهادئ، وللغة التي تُدار بحكمة، وللحديث الذي يُستخدم لبناء الثقة لا لهدمها. فليس كل متحدث ذكيًا دبلوماسيًا، لكن كل ذكي دبلوماسيًا يعرف أن الحديث فن، وأن الصمت أحيانًا هو أعلى درجات هذا الفن.