سياسة التجديد في الجامعات .. بين احترام الخبرة وإقصاء الكفاءات الشابة
أ.د. عبدالله إبراهيم الملكاوي
10-01-2026 07:12 PM
يشكل التعليم العالي والبحث العلمي الركيزة الأساسية لأي نهضة حقيقية، غير أن ما تشهده بعض الجامعات الأردنية من سياسات تجديد غير مقننة للأساتذة الذين تجاوزوا السبعين عاما، بات يثير تساؤلات جادة حول عدالة الحاكمية الأكاديمية ومستقبل الكفاءات الشابة.
إن المفارقة المؤلمة تكمن في أن تجديد خدمة من أتم السبعين هو تجميد للعطاء البحثي وتراجع للفاعلية التدريسية، وعجز عن مواكبة ما استجد من تفاعل التكنولوجيا مع الواقع الصفي، وكم من باحث شاب تاه حلمه بين جدران جامعات مغلقة، وكم من فكر جديد لم يسمع صداه لأن صوت الماضي كان أعلى، هؤلاء الشباب هم مستقبل البحث والعلم، لا طلاب مناصب، بل ورثة معنى، يبحثون عن مكان تحت شمس طال حجبها باسم "الخبرة".
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في استمرار البعض بعد السبعين، بل في غياب معيار أخلاقي يفرق بين من لا يزال ينبت فكرا، وبين من اكتفى بظل أوراقه القديمة، حينها يصبح البقاء مجاملة لا رسالة، والتمديد شكلا من أشكال الوجاهة لا العطاء.
وما يزيد من خطورة هذا النهج أن بعض المنتفعين يبررون التمديد بحجة أن في جامعات العالم المتقدم من يسمح لهم بالاستمرار بعد السبعين، وهي حجة لا تصمد أمام الواقع، فالكثير من دول العالم كالمانيا والولايات المتحدة وفرنسا واليابان والصين لا يتجاوز سن التقاعد فيها السبعين، بل إن بعضها يحدده بخمس وستين، وحتى الدول التي سمحت بالاستمرار كالولايات المتحدة وكندا، جعلت الأمر محكوما بضوابط صارمة تضمن استمرار العطاء والتميز، وتشترط الإسهام في دعم الباحثين الشباب وتمويل أفكارهم، لا أن تتحول التجربة إلى امتياز شخصي أو احتكار للموقع الأكاديمي.
لقد أدت هذه السياسات إلى نزيف في الطاقات الأكاديمية، إذ اضطر المئات من حملة الدكتوراة إلى البحث عن فرص خارج الوطن بعدما وجدوا أبواب الجامعات الوطنية موصدة أمامهم، رغم رغبتهم الصادقة في العودة والمشاركة في تطوير التعليم والبحث العلمي، كما أن بعض الخريجين يضطرون للبقاء في بلدان دراستهم، بعدما لم يجدوا في وطنهم فرصا تتيح لهم توظيف خبراتهم واستثمار معارفهم في خدمة مؤسساته الأكاديمية والبحثية.
إن الوفاء للأساتذة الكبار واجب أخلاقي لا نقاش فيه، غير أن تحويل الوفاء إلى ذريعة لإقصاء المبدعين الجدد خيانة للعلم ذاته، فالتجديد لا يعني إنكار التجربة، بل استمرارها في ثوب أكثر نضارة، والكرسي الأكاديمي لا ينبغي أن يكون عرشا أزليا، بل منبرا يتداول عليه النور بين الأجيال.
وإن إطالة عمر الوظيفة الأكاديمية إلى هذا الحد هو بمثابة حبس للشمس خلف السحب، فبينما يتمسك البعض ببصيص من ضوء قديم، تحجب عنا أنوار شمس جديدة، إنه استثمار في الماضي على حساب المستقبل، ورهان خاسر على قوى افلة في وجه طاقات واعدة، فالجامعات التي تكافئ الجمود وتعاقب الإبداع، لا يمكن أن تنهض، ولا أن تواكب العصر ما لم تفتحأبوابها لرياح التجديد.
لقد آن الأوان لأن تتخذ وزارة التعليم العالي والبحث العلمي موقفا حازما ينهي محطة التمديد لمن تجاوزوا السبعين عاما، مع استثناءات محدودة جدا وتستند فقط إلى الكفاءة البحثية والإنتاج العلمي الفعلي شريطة ان يكون له أثر مباشر في دعم الاقتصاد الوطني، لا إلى المجاملة والعلاقات الشخصية، كما يجب أن توضع آليات تضمن انتقالا سلسا للخبرة بين الأجيال، من خلال إشراك الأساتذة المتقاعدين في الإشراف أو التدريب دون احتكار المناصب الأكاديمية.
إن نهضة التعليم تبدأ حين تدرك الجامعات أن الوفاء للجيل القديم لا يعني إقصاء الجيل الجديد، وأن الإبداع لا يولد في ظل التمديد، بل في مناخ من الفرص والتجديد، فالأخلاقي قبل القانوني يدعو الأستاذ الجامعي أن يعيش بدعوات طلابه، لا أن ينتفخ وهو يأكل مستقبلهم.
* رئيس جامعة فهد بن سلطان المملكة العربية السعودية
* رئيس جامعة العلوم والتكنولوجيا الاردنية سابقاً