القصّة مش رمّانة… قصّة قلوب مليانة
د. حسين سالم السرحان
10-01-2026 10:36 PM
قد يكون هذا المثل الشعبي، المتداول في لبنان، معبّرًا بدقّة عن حالٍ عام يتجاوز الجغرافيا، ولعلّه ينطبق تمامًا على موضوعنا، فالضجّة التي شهدتها منصّات التواصل الاجتماعي مؤخرًا حول تعيين ابنة وزير العمل الأردني، ليلى خالد البكار، لم تكن مجرّد ردّة فعل على اسم أو حالة فردية، بقدر ما كانت تعبيرًا عن احتقانٍ متراكم؛ فالمشكلة، حقًا، ليست “رمّانة”، بل قلوبٌ مليانة.
هذا المثل الشعبي يلخّص بدقّة حالة الغضب والإحباط التي يعيشها الشارع الأردني، لا سيّما فئة الشباب، ومعهم الآباء والأمهات الذين باعوا الغالي والنفيس، وتحملوا ضيق العيش، من أجل تعليم أبنائهم وبناتهم، على أمل أن يكون التعليم بوابةً لفرصة عمل كريمة ومستقبلٍ آمن.
الغضب لم ينشأ لأن شابة حصلت على وظيفة، بل لأن آلاف الشباب الأردنيين، رغم تحصيلهم العلمي العالي وشهاداتهم الجامعية، ما زالوا عالقين في دوّامة البطالة، ينتظرون أدوارهم على قوائم تعيين طويلة، أُعلن صراحةً أن الانتظار عليها قد يمتد لعشرات السنين. هذا الواقع القاسي خلق شعورًا عامًا بالظلم، وعمّق الإحساس بانسداد الأفق وغياب العدالة في توزيع الفرص.
وزير العمل، بحكم موقعه ومسؤوليته، معنيٌّ بشكلٍ مباشر بكسر الحلقة التقليدية للبطالة، والبحث عن حلول مبتكرة وخلق فرص عمل بديلة، خاصةً في ظل إحصاءات رسمية تشير إلى أن معدّل البطالة في الأردن تجاوز 20%، مع ارتفاعٍ حاد في نسب البطالة بين الشباب. كما تسجّل البطالة بين الإناث معدلات أعلى من الذكور، مما يضيف بُعدًا اجتماعيًا واقتصاديًا أكثر تعقيدًا، في ظل محدودية الفرص المتاحة.
عندما يرى شابٌ أمضى سنوات في الدراسة والتأهيل نفسه خارج سوق العمل، ثم يسمع عن تعيينات تُفسَّر — سواء كانت صحيحة أم لا — على أنها استثناءات أو تجاوزات، فإن الغضب يصبح مفهومًا، حتى وإن كان موجَّهًا أحيانًا بأسلوبٍ قاسٍ أو غير منضبط.
مؤسسات الدولة الأردنية واحدة، ويجب أن تبقى كذلك في نظر المواطنين؛ لا تُجزّأ، ولا تُدار بمعايير مزدوجة. فلا يجوز أن يشعر أي أردني بأن هناك من يُقدَّم عليه أو يُتجاوز دوره بسبب الاسم، أو النفوذ والمنصب، أو القرابة، لأن ذلك يضرب مبدأ تكافؤ الفرص في الصميم، ويُضعف الثقة بين المواطن والدولة.
إن معالجة هذه الحالة لا تكون بتخوين الناس أو التقليل من مشاعرهم، بل بالاعتراف بجذور الأزمة: بطالة متفشّية، فرص محدودة، وانتظار طويل يقتل الطموح. عندها فقط يمكن تهدئة القلوب المليئة، فالقضية أعمق بكثير من “رمّانة” واحدة.
وقد كتب أحدهم أن بعض الكيانات السيادية باتت خارج منظومة التعيين العامة، ولا يُنظر فيها إلا لمن تتوافر فيهم شروط الولاء والانتماء، في إشارةٍ مقلقة إلى تصنيفات تمسّ أبناء الوطن الواحد.
وبالمناسبة، فإن ليلى البكار ابنة أردنية، ولها الحق في فرصة عمل كما لكل بنات وأبناء الوطن، وهذا مبدأ دستوري لا خلاف عليه. غير أن الإشكالية تكمن في التوقيت وسرعة التعيين عقب التخرّج، إضافة إلى تزامن ذلك مع تعيينات لقريبات لها في مواقع مختلفة، دون مراعاةٍ للمزاج العام، خاصةً وأن والدها يتولى ملفًا حساسًا يتعلّق بالبطالة والبحث عن فرص عمل للشباب.
ولا يُخال أن أفراد أسرته في حاجةٍ ماسّة إلى وظيفة بهذه الطريقة والسرعة، في ظل واقعٍ اجتماعيٍّ ضاغط يعيشه آلاف الشباب المؤهلين.
حمى الله الوطن.