خارج الموضة .. داخل المعنى
د. ربا زيدان
11-01-2026 01:07 AM
لا توجد نسخة واحدة يجب أن نكون عليها دائمًا.
كيف نشرب قهوتنا، كيف نصفّف شعرنا، لوننا الأثير في مرحلة ما، الأقمشة التي اعتادتها أجسادنا، المقاهي التي شهدت نسخنا القديمة، الروايات التي رافقتنا في أوقات محدّدة، والروائح التي ما زالت قادرة على إعادتنا إلى أنفسنا—تفاصيل صغيرة تتحرّك معنا. تتبدّل مع المزاج، مع العمر، ومع ما نمرّ به في لحظة معيّنة من حياتنا. لا شيء فيها نهائي، ولا شيء فيها مُلزِم.
هذه التفاصيل ملك لنا وحدنا.
نعيشها كما نعيش مراحلنا؛ تقترب منا فترة، ثم تبتعد مع تغيّر الأيام. لا نتركها عن قرار حاسم، ولا عن رفض، بل لأننا تحرّكنا خطوة أخرى في حياتنا.
ليست كل الأشياء مصمَّمة لترافقنا طويلًا.
بعض الأذواق والعادات وطرق التعبير تظهر في وقتها، ثم تفسح مكانها حين تتقدّم التجربة. نتركها بلا قطيعة، لأنها لم تعد تشبهنا، لا لأنها كانت غير مناسبة.
لكن الخلل يبدأ حين نعامل كل شيء بالطريقة نفسها.
حين نخلط بين ما هو تفصيل شخصي،
وبين ما هو موقف أخلاقي.
القناعات ليست تسريحة شعر.
والمواقف ليست لونًا نغيّره حسب المرحلة.
هناك فرق واضح بين ما يحقّ لنا أن نبدّله،
وما لا يجوز أن نتعامل معه بوصفه خيارًا مرنًا.
بعض الأمور ليست تفاصيل قابلة للتغيير، لأنها ليست عادات أصلًا، بل مواقف. وحين تُعامَل المواقف كأنها ذوق شخصي، يبدأ الالتباس.
أشياء كثيرة كان يفترض أن تكون قد تراجعت منذ زمن:
الكراهية، التعصّب، الخطاب الإقصائي، وتلك اللغة التي تُخفّف حدّة الظلم بدل مواجهته. هذه ليست اختلافات عابرة، بل أنماط تفكير لا تنسجم مع منطق إنساني، ولا مع أخلاق، ولا مع وعي يُفترض أنه نضج مع الوقت.
ومع اتّساع الفضاء الرقمي، لم تختفِ هذه الأنماط، بل عادت بلغة أخفّ. ظهرت نزعات شعاراتية تبدو واضحة أو جريئة، لكنها تقوم في جوهرها على هوياتية مغلقة تجد لها جمهورًا واسعًا، ويزداد حضورها لأنها مدعومة بخوارزميات تكافئ البساطة والاستقطاب.
في المقابل، لا بأس أن تتغيّر تفاصيل لا تحمل وزنًا أخلاقيًا.
لكن ما لا ينبغي أن يُعامل كترند هو الوعي نفسه.
أن تكون إنسانًا، أن تفكّر، وألا تكرّر خطابًا لا تؤمن به فقط لأنه شائع، ليس موقفًا عابرًا.
ليس مطلوبًا أن تساوم على قناعاتك كي تكون حاضرًا،
ولا أن تغيّر موقفك كي تكون مقبولًا.
يمكن للمرء أن يكون مرئيًا من دون أن يكون صاخبًا،
وأن يبقى وفيًّا لما يؤمن به من دون أن يبرّره.
ربما أسهل ما في هذا الزمن هو الانسجام.
أن نخفّف حدّة الأسئلة، وأن نتماهى مع ما يبدو مريحًا.
لكن ليس كل ما ينسجم مع اللحظة يستحق أن يُتَّبع.
أحيانًا، أكثر ما يبدو خارج الموضة
هو الشيء الوحيد الذي ما زال يحتفظ بمعناه.