لماذا تُقدَّم المصالح الخاصة على الشأن العام؟
محمد مطلب المجالي
11-01-2026 11:27 AM
*وهل تحوّل الوطن إلى مزرعة لثلة من المتسلقين؟
في كل مرحلة من مراحل التراجع الوطني، يطفو على السطح سؤال موجع: لماذا يتقدّم الخاص على العام في سلّم أولويات بعض المسؤولين؟ ولماذا تُدار الدولة أحيانًا بعقلية الغنيمة لا بعقلية الأمانة؟ أسئلة لا تأتي من فراغ، بل من واقع يراه المواطن في تفاصيل حياته اليومية، حين تُهمَّش القضايا الكبرى، وتُضخَّم المصالح الشخصية، وكأن الوطن هامش، والطموح الفردي هو المتن.
المشكلة لا تكمن في الطموح بحد ذاته، فالطموح مشروع، بل مطلوب، لكن الخلل يبدأ حين يتحوّل المنصب العام إلى وسيلة، لا غاية، وحين يُختزل الوطن في بطاقة عبور، أو سلّم صعود، أو مظلة تُفتح عند الحاجة وتُغلق عند أول اختبار حقيقي للمسؤولية. عندها يصبح القرار رهينة الحسابات الضيقة، وتُدار الملفات بعقلية “ما لي” لا “ما علينا”.
لقد اعتاد المواطن أن يرى قضاياه تُؤجَّل، وحقوقه تُرحَّل، وهمومه تُدار بالتصريحات لا بالحلول، بينما تُنجز الملفات الخاصة بسرعة لافتة، وتُفرد لها المساحات، وتُزال من طريقها العقبات، وكأنها أولوية وطنية. هنا تتآكل الثقة، ويترسّخ شعور خطير بأن الوطن لم يعد للجميع، بل صار ملكًا لمن يحسن التسلق، ويتقن تبديل الأقنعة، ويجيد رفع الشعارات عند الحاجة.
الأخطر من ذلك، أن البعض يتدثّر بعباءة الوطن ليُخفي تحتها مصالحه، ويتحدث باسم الناس وهو بعيد عنهم، ويزاود في الوطنية وهو أول من يقايضها إذا تعارضت مع مصلحته. وكأن الوطنية صك احتكار، أو رخصة استخدام حصرية، لا قيمة أخلاقية وسلوكية تُقاس بالفعل قبل القول.
إن عباءة الوطن ليست حكرًا على أحد، ولا تُفصَّل على مقاس مسؤول أو فئة أو طبقة. الوطن فكرة جامعة، ومسؤولية مشتركة، وكرامة لا تُجزَّأ. ومن يقدّم نفسه عليه، أو يضع مصالحه فوقه، لا يسيء إلا إلى نفسه، حتى وإن طال صمته، أو طال به المقام.
نحن لا نبحث عن ملائكة في مواقع القرار، لكننا نطلب الحد الأدنى من النزاهة، والوضوح، وتقديم العام على الخاص، فالدولة لا تُبنى بالشعارات، ولا تُدار بالاستعراض، بل برجال دولة يدركون أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن الوطن ليس مزرعة، ولا إرثًا خاصًا، ولا ساحة لتصفية الحسابات.
وحين يُعاد ترتيب الأولويات، ويُعاد الاعتبار للشأن العام، فقط عندها يمكن أن نطمئن أن عباءة الوطن ما زالت نظيفة، وأنها تتّسع للجميع، لا لثلة من المتسلقين.