facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




قصة الثورة الفلسطينية والدولة الأردنية من أيلول إلى أكتوبر


د. محمد البطاينة
11-01-2026 11:30 AM

في الحرب العربية الاسرائيلية ١٩٤٨؛ قاتل الجيش الأردني بكل ضراوة واستمات بكل بسالة للدفاع عن المدينة المقدسة فقد قال رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون أمام الكنيست في حزيران ١٩٤٩ "لقد خسرنا في معركة باب الواد وحدها أمام الجيش الأردني ضعفي قتلانا في الحرب كاملة"؛ إلا أن هذه الانتصارات والتضحيات الأردنية ما كانت لتحول دون وقوع النكبة فهي نتيجة حتمية لارادة دولية داعمة لإقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين.

ظاهر الأمر أنّ الوحدة بين الضفتين مُررت بسبب هيمنة الهوية القومية العربية ومشاعرها وضعف الهويات الوطنية ومصالحها آنذاك،ربما يصح هذا الأمر في مسألة منح السكان الفلسطينين للجنسية الأردنية؛ لكن حقيقة الأمر أن إعلان ضم الضفة الفلسطينية للأرض الاردنية تكرس كأمر واقع؛ فالدماء التي بذلها جنود الجيش الأردني للحفاظ على القدس وانتصاراتهم العسكرية في اللطرون وباب الواد بقيادة النقيب حابس المجالي والرائد عبد الله التل كان لها ثمن سياسي تمثل بقرار الضم.

على الرغم من أنّ هذه الوحدة قد افضت إلى تشتت الهوية التاريخية للأرض الفلسطينية كما أسماها آنذاك معارضوها؛ إلا أنها شهدت وحدة سيادية حقيقية دون تفريق وبنفس المستوى من تقاسم الإدارة والوزارة والبرلمان والقضاء بين الضفتين، بل ساهم البيروقراط الأردني في مؤسسات الدولة بانتشال الفلسطينيين المنتمين لبيئات قروية و بدوية من الحالة الإقطاعية والطبقية التي كانت سائدة في الضفة الغربية و فلسطين ما قبل النكبة، وقد شكلت هذه الخلفيات الاجتماعية ما يقارب ٨٠% من اعداد الفلسطينيين المقيمين في الضفتين و توفرت لهم كما لكل الأردنيين فرصاً متساوية للتعلم و التطور في مؤسسات الدولة الأردنية؛و باعتبار تطورهم هو نتاج مشروع الدولة الأردنية و مؤسساتها أتاح لهم هذا الأمر إمكانية إشغال مواقع قيادية في الدولة لم تكن المنظومة العائلية والطبقية في الضفة تسمح لهم باشغالها فيما سبق، وعمل الفلسطينيون من مختلف الطبقات والخلفيات الاجتماعية بكوادر الدولة المدنية و العسكرية، ونشطوا الحياة الحزبية والسياسية في الأردن تجاه القضية الفلسطينية.

لكن ذلك لم يمنع نخب وقيادات فلسطينية أخرى ترفض الاندماج من البحث عن الهوية الفلسطينية الضائعة بقرار الوحدة؛ فصعود الكيانات الوطنية وزخم حركات التحرر العربية ومعاناة الشعب الفلسطيني وتهجيره على أيدي العصابات الصهيونية، أدى إلى صعود الوطنية الفلسطينية وتبلورها في نهاية الخمسينات باسم الكيان الفلسطيني للتعبير عن الهوية السياسية للشعب الفلسطيني؛ مُطالبات الكيان الفلسطيني هنا وإن كانت مُحقة إلا أنها لم تكن بمنأى عن المناكفات العربية مع الدولة الاردنية في تلك السنوات ، بل كانت الوطنية الفلسطينية وطنية أداتية للصراع القائم بين الدول التقدمية والرجعية، والتي شكلت تحدياً ناء به الأردن ونظامه السياسي.

في معركة حزيران ١٩٦٧، برزت معطيات جديدة مثلت تداعيات الهزيمة؛ فاحتلال الضفة الغربية أسقط الوحدة الإدارية الأردنية مع الضفة من جانب، ولكن أبقى النزاع على الوحدة السياسية وتمثيل القرار الفلسطيني من جانب آخر، كما افضت الهزيمة الى دخول الفلسطينيين في أزمة البحث عن مشروع بديل بعد الإخفاق في حل القضية الفلسطينية عبر "الأنظمة الرجعية" التي حاربت في ١٩٤٨، و "الأنظمة التقدمية" التي حاربت في ١٩٦٧.

في معركة الكرامة ١٩٦٨ حسمت مدرعات و مدفعية الجيش الأردني النزال وحمت المقاتلين الفلسطينين، ففي هذه المعركة سعت إسرائيل لاحتلال مرتفعات السلط لتغدو حزاماً أمنياً وجولاناً أخرى، الغرور الإسرائيلي وصل إلى حد دعوة الصحفيين صباحاً إلى تناول طعام الغداء في السلط؛ ولكن المعركة التي استمرت ٥٠ دقيقة بالأسلحة الثقيلة و١٦ساعة بالمجمل، أسفرت عن خسارة إسرائيل ثلاثة أضعاف الآليات التي خسرتها على جميع الجبهات في حرب٦٧، كما صرح رئيس أركان جيش الاحتلال، نصر الكرامة جعل النظام الأردني أكثر تمسكاً بالقرار الفلسطيني وجوبه ذلك برفض من المشروع الوطني الفلسطيني ممثلاً بحركة فتح آنذاك التي عاشت عصرها الذهبي بعد النكسة، فقد انتقل التحرير من يد العرب إلى يد الفلسطينيين أنفسهم، كانت قوة المشروع حاضرة حتى بصورة تغيير الميثاق القومي الفلسطيني إلى الميثاق الوطني الفلسطيني.

اخفاق الدولة الاردنية في لجم العدو في حرب حزيران ١٩٦٧ و خسارة الضفة الفلسطينية، ألجم قدرتها على كبح أو حتى تصويب وترشيد مسار المقاومة، مقتل المقاومة الفلسطينية في الأردن أنها عاشت حالة من التناقض المزدوج مع الاحتلال الصهيوني ومع الكيان والهوية الأردنية أيضاً، وهو ما عبّر عنه الرجل الثاني في فتح ابو اياد في عبارته " خسرنا فلسطين فليخسر العرب اوطانهم"؛ هذا على الرغم من أن العشائر الأردنية كانت حاضنة المقاومة، كما شكل الجيش الأردني في حرب الاستنزاف- بعد احتلال الضفة- رديفاً و سنداً للفصائل الفلسطينية ، كما يؤكد ذلك عبد الله عزام قائد كتيبة الشيوخ ، أمّا الأحزاب العقائدية القومية واليسارية وكوادرها الأردنية، فقد تماهت مع المنظمات الفلسطينية وانخرطت في القتال.

انحرفت بوصلة المقاومة بممارسات لم تراعِ هيبة الدولة، تجسدت في خطف الطائرات في الأردن و الاعتداء على جنود الجيش الأردني و محاولات اغتيال للملك و نقل قواعد الفدائيين من الحدود إلى المدن وتشكيل دولة داخل دولة وتبني شعارات انقلابية (كل السلطة للمقاومة) و(معركة القدس تبدأ في عمان). لقد احتاج مشروع منظمة التحرير الفلسطينية"دولة بلا أرض" وشعارها "لا سلطة إلا للمقاومة" لتنفيذهما إلغاءً تاماً لوجود الكيان والهوية الوطنية الأردنية، عبر تذويبها بالهوية الفلسطينية من خلال تقريب عناصر سياسية محسوبة على الأحزاب القومية و اليسارية في الأردن، واستمالتهم كأعضاء وكوادر في منظمة التحرير الفلسطينية، وشكل هؤلاء الطلاء بألوان هادئة لأطروحات الإلغاء الفاقعة للهوية الأردنية، ولأجل ذلك تصرفت المنظمة بروح صِدام قطعي مع الدولة الأردنية و هويتها.

وقع المحظور؛ واندلع الصراع وتلقّت في هذه الأثناء منظمة التحرير الفلسطينية دعماً من الجيش السوري والحليف السوفيتي.سيطر الجيش السوري بفرقة مدرعة على شمال المملكة وتصدى الجيش الأردني بلواء مدرع أربعين وكبد الغزاة خسائر فادحة. بدأت قوة المنظمات الفدائية بالتقهقر أمام قدرات الجيش العربي الأردني، لتحسم المعارك خلال عشرة أيام. هنا خرجت المنظمة خاسرة لمعركتها العسكرية لانتزاع التمثيل السياسي عبر السيطرة على الدولة الأردنية، ولكنها حققت نصراً سياسياً معنوياً بعد أربع سنوات باعتبارها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني ١٩٧٤.

بدأ في دوائر القرار في الأردن بعد أحداث أيلول يتبلور تيار داخل مؤسسات الدولة ينحى باتجاه التخلي عن معركة التمثيل الفلسطيني قاده رئيس الوزراء وصفي التل؛لقد كان مشروع التل القائم على الانسحاب من معركة التمثيل الفلسطيني لصالح المنظمة و استبدال ذلك بالسعي لتوظيف دورها السياسي و العسكري أردنياً يعني اتوماتيكياً انتهاء الدور السياسي للقيادات و النخب التي كانت تكتسب نفوذها من حاجة النظام السياسي الأردني لممثلين عن الوسط الفلسطيني ليشكلوا قوة موازية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

ولكي يضيء عتمة أيلول مضى وصفي التل إلى الجامعة العربية بخطة لتحرير الضفة تشبه خطة تحرير حزب الله للجنوب اللبناني بمظلة سورية. لم يعبأ وصفي بتحذيرات الأجهزة الأمنية،وقال عبارته الشهيرة "ما دام بالسراج في زيت بضل ضاوي". أُطفئ سراج وصفي في القاهرة و الواقع أن برنامجه السياسي حُجب بفعل الغشاوة التي أُسدلت على أعين الغوغائيين الذين حولوا الوطنية الفلسطينية إلى وطنية أداتية لتنفيذ الرؤية العربية القاضية بوأد محاولات الأردن (الوصفي) باعادة إنتاج المشروع الفلسطيني تحت مظلة الدولة الأردنية و ليس فوقها.

في السبعينات سادت مشاعر المظلومية السياسية و التمثيلية لبيئة التنظيمات الفدائية في الاردن، وتكتل جزء من هذه القطاعات داخلياً لتشكل معارضة اجتماعية وسياسية وجدت فضاءها بالحركة الإسلامية و نسجت الأخيرة تحالفاتها مع كوادر فتحاوية، يظهر ذلك في تلك الفترة بالقوائم الانتخابية الموحدة في النقابات المهنية الأردنية او (في الاردن) كما كان يحلو لها تسميتها؛ في حين تجمعت قطاعات أخرى لدعم قضايا خارجية تتعلق بإسناد منظمة التحرير الفلسطينية في مزاحمتها مع النظام الأردني على القرار الفلسطيني، ففي هذه السنوات احتدم الصراع بين الدولة الأردنية ومنظمة التحرير على النفوذ في الضفة المحتلة وعلى تمثيل الفلسطينين.

بعد هزيمة مشروع حركة فتح في بيروت ١٩٨٢ وانتهاء أفق الكفاح المسلح، اتجهت المنظمة للتوافق مع الأردن لترتيب أوضاع كوادرها التي نحت باتجاه النجاة الفردية بعد غرق سفينة المشروع الوطني الجامع، وبدأت فتح تعيد تنظيم كوادرها وحضورها الإعلامي المرتبط بمراكز قوى رأس المال في الأردن، فالأردن كان يشكل للحركات الفلسطينية في ذلك الوقت ساحة مهمة لتأمين الدعم اللوجستي، كونه يحوي أكبر تجمع لفلسطينيي الشتات، ولكن مع ذلك التقارب الأردني الفلسطيني بقي التعامل الرسمي الأردني مع حركة فتح يشوبه الحذر، وأقرب للملف الأمني منه للملف السياسي.

تخلي حركة فتح عن الكفاح المسلح وفشلها في تحقيق أهداف المشروع الوطني الفلسطيني الأولى، عبّد الطريق أمام الإخوان المسلمين في الأردن لملء الفراغ في قطاع واسع من القواعد الشعبية التي تحولت عن حركة فتح في الثمانينيات، وارتدت الثوب الإسلامي بعد صعود حركة حماس(الحركة التوأم للإخوان) كقوة مقاومة فاعلة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. بعد أربعين عاماً على النكبة قبلت المنظمة بالمحرمات السياسية التي بنت عليها ميثاقها واتهاماتها للدولة الاردنية بالتفريط،وهكذا تنازلت دفعةً واحدة عن ٧٨ % من أرض فلسطين التاريخية ، واعترفت بشرعية الوجود الإسرائيلي على هذه المساحة من الأرض الفلسطينية في مقابل فقط وعود لدولة على أرض فلسطين ١٩٦٧، هنا أعلن الأردن على مضض قرار فك الارتباط بالضفة المحتلة حتى لا يكون عقبة في وجه الدولة الفلسطينية المزعومة، بعد مطالبة جميع الفصائل الفلسطينية بما فيها حماس بذلك؛ ويومها علق على القرار حكيم الثورة الفلسطينية- أمين عام الجبهة الشعبية وجناحها بالاردن حزب الوحدة الشعبية - جورج حبش " بأن فك الارتباط مع الاردن هو انتصار تاريخي للشعب الفلسطيني" !! ماذا ابقى ليصف الصراع مع الاحتلال الاسرائيلي اذن؟! لتعود الأمور إلى نصابها،ويتم إقرار فكّ الارتباط الإداري مع الضفة ١٩٨٨، وبذلك اعفى الساسة الفلسطينيون "غير الواثقين" الدولة الأردنية من المسؤولية القانونية والسياسية باسترجاع الضفة الغربية و ووضعوا ثقتهم وثقلهم بالمنظمة و الفصائل الفلسطينية في داخل الأرض المحتلة.

مع بداية التسعينات؛ سادت الولايات المتحدة العالم وفرضت شروطها على الجميع ليدخل الأردن والمنظمة في أتون العمليّة السلميّة حيث كان عليهما أن يدفعا الأثمان السياسيّة المستحقة والباهظة لرهانهم على الحصان الخاسر (صدام حسين)؛ عُقِدت المؤتمرات وتدافعت الوفود وأُبعدت قيادات الانتفاضة من قادة العمل الإسلاميّ-الرافضين للتسوية- إلى لبنان؛ ليُصب الماء على نار الانتفاضة، ولتُعبّد الطريق أمام منظمة التحرير للتوغل في مشروع السلام دون شغب حمساوي في الداخل.كان الوفد الأردنيّ الفلسطينيّ مشتركا في البداية، ولكن الفلسطينيين لم يريدوا إشراك الأردنيين باتفاقيات الحلّ النهائيّ فتمّ فصل المسارين وإبعاد الشخصيات الفلسطينية المحسوبة على الاردن وتجميع ملفات التفاوض بيد قيادات المنظمة في الخارج؛ مارس أبو عمار في هذه المفاوضات" زئبقيته المعهودة" على حد وصف الأمير حسن، فتارةً يُقرُّب الأردن وأخرى يبعدها، لقد أراد ياسر عرفات إثبات زعامته على الفلسطينيين ولاشيء غير ذلك.

عقد الفلسطينيون اتفاق اوسلو من وراء ظهر القيادة الأردنية، الاتفاق الذي عقده الفلسطينيون- قبل الأردنيين- كان متطلباً سابقاً يستطيع فيه الأردن الدخول بجسارة لعقد اتفاق سلام مماثل يقطع الطريق على المسكونين بهاجس التشكيك والتفريط الأردني التاريخي بحقوق الشعب الفلسطيني... فماذا انتجت منظمة التحرير الفلسطينية في نهاية المطاف؟ السُلطة و أجهزتها الأمنية التي هي وليدة نضال الثورة الفلسطينية والتي تقزم دورها ليغدو أداة لكبح جماح الفصائل الفلسطينية التي رفعت شعاراتها في أيلول و استنكفت عن القيام بدورها كممثل للشعب الفلسطيني في احداث اكتوبر. لقد كشف الانقسام السياسي بين قيادة الشعب الفلسطيني و فصائل و ساحات النضال في الضفة و غزة والداخل المحتل عن الجانب السوداوي لأحداث السابع من اكتوبر التي أظهرت اننا أمام شعوب فلسطينية وليس شعب فلسطيني واحد في الواقع؛ في ذات الوقت ابانت تلك المنعطفات التاريخية على مدار العقود و السنوات السالفة عن الوجه الأبيض لأحداث أيلول الاسود لتعيد الاعتبار لصدق المواقف الأردنية تجاه القضية الفلسطينية و رجاحة تقديراتها فيما يخص الحالة الفلسطينية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :