facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




العنف الجامعي: قراءة قانونية في الأسباب والقصور وسبل المعالجة


د. هاشم احمد بلص
11-01-2026 04:40 PM

أضحى العنف الجامعي من أخطر الظواهر التي تهدد رسالة الجامعة ودورها بوصفها فضاءً للعلم وبناء الإنسان وسيادة القانون. ولم يعد هذا العنف مجرد سلوك فردي عابر، بل تحوّل في بعض الأحيان إلى أنماط جماعية منظمة تعكس خللاً مركباً في منظومة التعليم، وضعفاً في الوعي والانتماء، وقصوراً في الإدارة الجامعية وآليات الضبط والمعالجة. وتكمن خطورة الظاهرة في أنها تمسّ الأمن الجامعي، وتقوّض السلم المجتمعي، وتفرغ القيم القانونية من مضمونها داخل الحرم الجامعي.

يُعدّ العنف الجامعي فعلاً مجرّماً متى انطوى على اعتداء على الأشخاص أو الأموال أو النظام العام، وتطبّق عليه النصوص الجزائية العامة، إلى جانب الأنظمة والتعليمات الجامعية التي تنظّم السلوك والانضباط. غير أن الاكتفاء بالمعالجة العقابية الصرفة يكشف عن قصور تشريعي وتطبيقي، إذ غالباً ما تُستخدم النصوص بعد تفاقم الحدث، لا كأداة وقاية وردع مبكر. كما أن بعض الأنظمة التأديبية الجامعية تفتقر إلى الوضوح والتدرج والتناسب، ما يضعف فاعليتها ويخلق شعوراً بالانتقائية أو التعسف.

إن ضعف المنظومة التعليمية أحد الأسباب الجوهرية للعنف الجامعي. فالتعليم الذي يركّز على التلقين والحفظ ويغفل بناء الشخصية والقيم المدنية لا يُنتج طالباً واعياً بحقوقه وواجباته. كما أن ما يُسمّى بالتوعية داخل الجامعات غالباً ما يكون شكلياً وموسمياً، يقتصر على محاضرات خطابية لا تلامس الواقع ولا تخاطب الأسباب الحقيقية للعنف. التوعية الحقيقية تقتضي إدماج ثقافة الحوار، واحترام القانون، وقبول الاختلاف، والانتماء للمؤسسة والوطن ضمن المناهج والأنشطة، لا الاكتفاء بالشعارات. وغياب هذا الفهم العميق للتوعية يُفرغها من مضمونها، ويجعلها عاجزة عن إحداث أثر وقائي فعلي.

تتعدد أسباب العنف الجامعي وتتداخل، ومن أبرزها:

1. ضعف الانتماء المؤسسي والوطني: إذ ينظر بعض الطلبة إلى الجامعة كمكان مؤقت بلا هوية جامعة، ما يسهل الانجراف نحو العصبية والعنف.

2. العصبيات الاجتماعية والجهوية: حيث تنتقل النزاعات والقيم السلبية من المجتمع إلى الحرم الجامعي.

3. غياب العدالة والشفافية: الشعور بالظلم أو المحاباة في القرارات الإدارية أو الأكاديمية يولد الاحتقان ويدفع إلى ردود فعل عنيفة.

4. ضعف قنوات التعبير المشروع: حين لا يجد الطالب آليات قانونية فعالة لعرض شكواه أو الدفاع عن حقه، يلجأ إلى العنف كوسيلة ضغط.

5. التراخي في إنفاذ الأنظمة: التساهل أو الانتقائية في تطبيق العقوبات يبعث برسالة خاطئة مفادها الإفلات من المساءلة.

من أبرز مظاهر القصور تعنّت بعض الإدارات الجامعية وغياب الإدارة الرشيدة للأزمات. فبدلاً من الاحتواء المبكر والحوار، تُقابل بعض المشكلات بالإهمال أو القرارات الفوقية، ما يؤدي إلى تراكم الاحتقان وانفجاره لاحقاً بصورة عنيفة. كما أن غياب وحدات متخصصة لإدارة النزاعات والوساطة داخل الجامعات، وضعف التنسيق مع الجهات المختصة، يساهم في تطور الأحداث وخروجها عن السيطرة. الإدارة الجامعية مطالبة بأن تكون شريكاً في الحل لا طرفاً في النزاع.

كما أن ضعف الوعي القانوني لدى الطلبة يشكّل سبباً مباشراً في تفشي العنف. فالكثيرون لا يدركون خطورة أفعالهم أو ما يترتب عليها من مسؤولية جزائية وتأديبية. كما أن غياب القدوة المؤسسية في احترام القانون يرسخ ثقافة الاستهانة به. الجامعة، بوصفها مؤسسة قانونية، مطالبة بتجسيد سيادة القانون قولاً وفعلاً.

المعالجة الفاعلة للعنف الجامعي لا تكون بردود فعل مؤقتة، بل عبر استراتيجية شاملة تقوم على عدة عوامل إصلاح التعليم بإدماج القيم المدنية والحقوق والحريات والمسؤولية القانونية ضمن المناهج، وتوعية مستدامة قائمة على الحوار والمشاركة، لا على الوعظ الموسمي، وتعزيز العدالة والشفافية في القرارات الإدارية والأكاديمية، كما يعد تفعيل الأنظمة التأديبية بعدالة وتناسب ودون انتقائية، وإنشاء آليات احتواء مثل لجان وساطة وإرشاد نفسي وقانوني، و تعزيز الانتماء: من خلال الأنشطة الطلابية الهادفة والشراكة الحقيقية مع الطلبة.

إن العنف الجامعي ليس ظاهرة منفصلة عن السياق التعليمي والقانوني والاجتماعي، بل هو نتيجة طبيعية لتراكمات من القصور في التعليم، وغياب التوعية الحقيقية، وضعف الإدارة، وتآكل الانتماء والوعي القانوني. والمعالجة الحقيقية تقتضي الانتقال من منطق العقوبة بعد وقوع الفعل إلى منطق الوقاية وبناء الإنسان، بما يعيد للجامعة رسالتها بوصفها حاضنة للعلم والقيم وسيادة القانون.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :