بازار إيران الذي أطاح بالشاه هل يطيح بالمرشد ؟
حسين بني هاني
11-01-2026 08:02 PM
ركيزة تجارية عريقة في طهران، لبس يوماً غير بعيد عباءة سياسية أطاحت بالشاه ، ذاك هو البازار الايراني ، الذي هزم أقوى نظام سياسي عرفته طهران في القرن العشرين ، بازار عُرف عنه الركون للمحافظة السياسية ، يركّز دوماً على هموم الناس المعيشية ، ولكنه عندما يتحرّك ، يكشف ، بأن تصدّعاً عميقاً ، قد وقع في قاعدة إجتماعية هشة ، سبق للخميني أن راهن عليها ، للإطاحة بعرش الطاووس .
يبدو أن التاريخ يوشك أن يعيد نفسه، بعد أن تصدّى البازار مرةً اخرى ، لوجع الناس ، وبعدما لامس قطبا الفاقة والجوع رقاب آلجميع ، بسبب تآكل مداخيلهم ، وهم ينظرون بعين الغضب للسلطة السياسية ، وهي توزّع اليوم أموال الدولة بسخاء ، في كل من لبنان واليمن وغزة ، وفي سوريا سابقاً .
صحيح أن السلطة السياسية في طهران ، المحاصرة اقتصادياً ، تخشى العوامل الخارجية في ازمتها الحالية ، مثل واشنطن وتل أبيب ، ولكنها تخشى أيضاً ، بعض الرؤوس الحامية داخل أجهزتها العسكرية ، اولئك الذين ضاقوا ذرعا بالإنفاق اللامحدود ، على أذرع الدولة الخارجية ، في وقت هم انفسهم يعانون من ضيق ذات اليد، ويعرفون ايضا أن شريحة إجتماعية واسعة غيرهم ، يعانون من ضنك العيش ، خاصة الجيل الجديد ، الذي لم يعد في ظل ظروفه الاجتماعية الصعبة ، يولي أي اهتمام ، لا لعقيدة السلطة ، ولا حتى لولاية الفقيه .
يدرك قادة طهران، أن مرحلة ما قبل المظاهرات ، لن يشبه ما بعدها ، وأن الوضع لا يمكن فصله عن البيئة الاقليمية والدولية الضاغطة ، في وقت تتقاطع فيه العقوبات والصراعات مع الولايات المتحدة ، وتتوسع فيها الاحتجاجات ، لتصل إلى مدن صغيرة ، لم يسبق لها أن شاركت في أي تظاهرات ، لا في عهد الشاه ولا بعد الثورة عليه .
مشكلة النظام الايراني اليوم، مشكلة مركبة ، وهو يعلم تماماً أن بازاره الأمني الكبير ، يكمن ليس في مدنه الفارسية وحسب ، وإنما في خواصره الرخوة في الأطراف ، التي تقطنها قوميات، من أصول تركية وعربية وكردية ، هي أصلاً ليست سعيدة، بحكم الملالي الشيعية ، وتعرف السلطة سهولة اختراقهم خارجيا ، مما يصعّب المهمة على المرشد وسلطته السياسية ، إذا تم استمالتهم للتغيير ، وشجعهم الطامعون ( وهم كُثر ) على التصعيد خاصة ، بعد أن اصبح النظام ، يواجه تحدياً شاملا للدولة ، في الأطراف كما هو الحال في المركز .
هذه لحظة فارقة، وربما تاريخيّة لحكام طهران، رغم محاولاتهم التخفيف من عبء أزمتهم الحالية ، ولكن المعطيات على الأرض التي واجهت الشاه ، قبل نصف قرن تقريباً ، بدا أن نظام الملالي أخذ يواجه مثلها تماماً ، وتعذّر عليه السيطرة عليها حتى هذه اللحظة ، وغدا النظام وفقها ، أمام خيارين أحلاهما مرٌ ، إما أن يقدم التنازلات للمحتجين ، والظهور بموقف الضعيف وبالتالي إنهيار النظام ، وإما مواجهة التهديد المزدوج هذه المرة ، من غريميه المتربصين به ، في كل من واشنطن وتل أبيب .