الأمن المائي بين الحصاد وإدارة السدود
د.م. أمجد عودة الشباطات
12-01-2026 01:45 AM
موسم الأمطار الحالي أعاد طرح السؤال ذاته: كيف تستمر هطولات جيدة وجريان واضح في الأودية، بينما تغادر المياه سريعًا دون أن تدخل في دورة التخزين؟ جزء معتبر من هذه الكميات يضيع بسبب غياب منظومة حصاد مائي قادرة على الالتقاط والاستفادة، وهو مشهد يتكرر ما لم يُترجم هذا الواقع إلى قرارات تنفيذية واضحة.
الحصاد المائي لا يُقاس بعدد السدود، بل بمواقعها وجدواها ونوع الحل المختار. السؤال الحقيقي أين نبني وبأي شكل. أي توجه لبناء سدود جديدة يجب أن يسبقه إجراء دراسات هيدرولوجية وجيولوجية وبيئية واقتصادية دقيقة، تضمن ملاءمة الموقع ونوع السد، وتحد من المخاطر الفنية والفواقد التشغيلية. المعرفة الفنية موجودة، لكن الفجوة ما زالت في القرار والتنفيذ المبنيين على هذه الدراسات.
توجد مواقع دُرست وتُظهر جدوى واضحة، منها مقترح سد الملاقي بطاقة تخزين تقارب عشرة ملايين متر مكعب. وعلى سبيل المثال، توجد دراسة لسد الوادات في محافظة الطفيلة، وكان من المفترض تنفيذ المشروع، إلا أنه لم يُنفذ حتى الآن لأسباب غير معروفة لدي.
إدارة السدود القائمة جزء لا يتجزأ من المعالجة. تراكم الرسوبيات تجاوز في بعض السدود ربع السعة التخزينية، ما يقلل قدرتها عامًا بعد عام. إزالة هذه الرسوبيات ضرورة لرفع العمر التشغيلي واستعادة جزء من الطاقة التخزينية. وقبل أن تصل الرسوبيات إلى بحيرات السدود، تبرز أهمية الأودية المغذية، إذ إن إنشاء سدود صغيرة وبسيطة عليها يقلل كميات الرسوبيات الواصلة، ويحمي السدود الرئيسة، ويخفض كلف الصيانة مستقبلًا.
وفي السياق ذاته، تُطرح دائمًا مسألة التبخر بوصفها أحد مصادر الفاقد المائي. وقد جرت دراسات سابقة حول استخدام وسائل للتخفيف من التبخر، من بينها الكرات العائمة، إلا أن نتائج هذه الدراسات بيّنت عدم جدواها في الظروف المحلية، ما يستدعي البحث المستمر عن حلول أكثر ملاءمة وفعالية بدل تبني حلول عامة لا تراعي خصوصية الموقع والمناخ.
ولا تكتمل الكفاءة عند التخزين فقط، بل تمتد إلى التشغيل والاستخدام. أتمتة تشغيل السدود بدأت فعليًا في بعض الجوانب، ويوجد حاليًا توجه لتطوير وتوسيع أتمتة باقي العمليات، بما يشمل المراقبة والتشغيل واتخاذ القرار، بهدف رفع كفاءة الإدارة وتقليل المخاطر التشغيلية. كما أن ربط نوعية الزراعات المروية من كل سد بخصائص المياه الكيميائية ونوعيتها يبقى عنصرًا أساسيًا في حماية التربة وضمان استدامة المورد.
أما مشاريع الحصاد المائي القائمة، فهي بحاجة إلى تقييم شامل وموحّد، يراجع جدواها الفعلية، ويمنع تشتت الجهود، ويضمن أن تُنفذ ضمن إطار وطني متكامل لا كمبادرات متفرقة. التوسع في هذا المجال يجب أن يكون مبنيًا على هذا التقييم، خصوصًا في المناطق ذات الجريان الموسمي الواضح.
كما أن استثمار مواقع السدود في مشاريع الطاقة الشمسية يمثل بعدًا داعمًا مهمًا، سواء لتغطية احتياجات التشغيل أو لتقليل كلف الطاقة، بما يعزز استدامة منظومة السدود ككل، ويربط بين الماء والطاقة ضمن مقاربة أكثر تكاملًا للأمن المائي.
ومن بين الأفكار المطروحة السدود تحت الأرض، وهي مطبقة في دول ضمن شروط جيولوجية وهيدرولوجية محددة، وتعتمد على حواجز داخل الطبقات الحصوية للحد من فقد المياه الجوفية. ليست حلًا عامًا، وتبقى ملاءمتها مرتبطة بخصائص الموقع، ويُترك تقييمها للدراسات الجيولوجية والهيدرولوجية المتخصصة.
وفي هذا السياق، لا بد من التنويه إلى أن أي مشروع استراتيجي، بما في ذلك الناقل الوطني المنوي تنفيذه، لن يكون كافيًا بمفرده ما لم يُدار قطاع المياه ضمن منظومة إدارة متكاملة، تربط بين المصادر السطحية والجوفية، والحصاد المائي، والتخزين، والتحلية، وكفاءة الاستخدام، باعتبارها حلقات مترابطة في منظومة أمن مائي واحدة.