طلبة يحبون الأردن والأردن يحبهم .. والكويت في قلوبهم وسلوكهم
أ.د. أحمد منصور الخصاونة
13-01-2026 05:25 PM
في زمن تتسارع فيه الأحكام السطحية، وتُختصر فيه الشعوب أحيانًا بصور عابرة، تظل المعايشة المباشرة هي المعيار الأصدق لفهم الآخر. ومن خلال احتكاكنا اليومي بطلبة من الجنسية الكويتية يقيمون في منطقتنا، تتجلّى أمامنا صورة مشرقة لعلاقة أخوية صادقة، تتسم بالاحترام المتبادل والمحبة الصادقة والتقدير العميق بين الطلبة الكويتيين والمجتمع الأردني.
هؤلاء الطلبة لا يخفون محبتهم للأردن، بل يعبرون عنها سلوكًا قبل أن تكون كلمات. فهم يتعاملون مع المجتمع الأردني بأدب جمّ، واحترام واضح للعادات والتقاليد، وحرص على الاندماج الإيجابي دون ذوبان أو تعالٍ. وفي المقابل، يجدون في الأردن شعبًا محبًا وكريمًا، يبادلهم هذا الشعور ويحتضنهم كأبناء وأشقاء، فتتشكل علاقة وجدانية جميلة تعكس عمق الروابط بين البلدين الشقيقين.
ويظهر حبهم للكويت بوضوح في تفاصيل حياتهم اليومية. فهم يعتزون بوطنهم وقيادته وأمرائه وشيوخه، ويعكس حديثهم الهادئ واحترامهم العميق لرموز دولتهم هذا الاعتزاز. ولا يخفى على من يراهم تمسكهم باللباس الكويتي التقليدي، من الثوب والغترة، في صورة مدعاة للفخر والاعتزاز، تعكس أصالة الانتماء وقوة الهوية، وتبعث على الاحترام والتقدير في نفوس من حولهم.
ويتميّز هؤلاء الطلبة بسلوك ديني متزن وواعٍ، إذ يُلاحظ حضورهم الدائم في الصلوات بالمساجد، وحرصهم على أداء صلاة الفجر، في مشهد يعكس علاقة صادقة مع الدين، قائمة على القناعة واليقين، لا على المظاهر. كما يبرز اهتمامهم بالنظافة والنظام، سواء في مساكنهم أو في الأماكن العامة، إدراكًا منهم أن النظافة جزء لا يتجزأ من الأخلاق ومسؤولية تجاه المجتمع الذي يعيشون فيه.
أما أسلوب تعاملهم، فهو نموذج للرقي والتهذيب؛ كلمات لطيفة، ونبرة هادئة، واحترام للآخرين مهما اختلفت خلفياتهم. هذا السلوك ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تربية أسرية واعية، وتعليم ركّز على بناء الإنسان قبل الشهادة، وغرس القيم قبل المهارات.
وعند الانتقال من الفرد إلى الوطن، نجد أن هذه الصفات ليست معزولة عن السياق الكويتي العام. فالكويت كانت ولا تزال وستبقى سبّاقة في مجالات الحضارة والفكر والثقافة. وقد لعب الإعلام الكويتي دورًا محوريًا في تشكيل الوعي العربي، من خلال برامج تلفزيونية ركّزت على الفكر والقيم والكرم الأصيل والروح العالية في المساعدة وتقديم الدعم، وهي صفات متجذرة في المجتمع الكويتي، تنعكس بوضوح في سلوك أبنائه.
الكويت مجتمع حيوي متعدد الجنسيات، جمع بين التنوع والانفتاح من جهة، والحفاظ على الهوية العربية والإسلامية من جهة أخرى. هذا التوازن الفريد انعكس في مختلف مناحي الحياة، من الفنون إلى الأدب، حيث كانت الكويت رائدة في المسرح العربي، وسبّاقة بتأسيس أول تلفزيون رسمي في الخليج عام 1961، وكان لمسرحها ولهجتها الإعلامية حضور مؤثر في الوجدان العربي.
كما حافظ المجتمع الكويتي على عاداته وتقاليده الأصيلة، مثل الديوانيات، التي تُعد مدرسة للحوار وتبادل الرأي، والاحتفال بالمناسبات الدينية والوطنية، والاهتمام بالزي التقليدي للرجال والنساء، في انسجام جميل بين الأصالة والحداثة. ويُضاف إلى ذلك المطبخ الكويتي الغني بالنكهات والتوابل الشرقية، الذي يعكس عمق الثقافة وتنوع التأثيرات.
ولا يمكن إغفال الدور الثقافي البارز لمجلة العربي، تلك المجلة غير الربحية التي حظيت بدعم رسمي مكّنها من الاستمرار لعقود، لتكون منبرًا للفكر العربي وسفيرة للثقافة، يكتب فيها كبار الكتّاب العرب، ويقرأها الملايين في مختلف أنحاء العالم العربي.
إن مشاركة الكويتيين الواسعة في الفعاليات الاجتماعية والوطنية، وتفاعلهم مع القضايا العامة، يعكس وعيًا عاليًا بالمسؤولية والانتماء، ويؤكد أن الإنسان الكويتي هو نتاج مشروع حضاري متكامل، آمن بالعلم، واحترم القيم، واعتبر الأخلاق أساسًا للتقدم.
وهكذا، نرى في هؤلاء الطلبة الكويتيين صورة صادقة لوطنهم، وسفراء حقيقيين للكويت في الأردن. يحبون الأردن بصدق، ويبادلون شعبه الاحترام، ويحملون الكويت في قلوبهم وسلوكهم. علاقة أخوية متينة بين بلدين شقيقين، يجمعهما التاريخ والقيم والإنسان، وتؤكد أن أجمل ما في الأوطان هو أبناؤها.