معظم المواجهات الساخنة والباردة التي عايشناها وشاهدناها في منطقة الشرق الأوسط كانت تتمحور حول فكرة الصراع العربي الإسرائيلي، ولم يكن هذا الصراع متروكا بلا إدارة خارجية ومراقبة دقيقة لما يحدث في يوم من الأيام، ليس على مستوى إدارة الحروب عند اشتعالها، ولكن المساهمة في مدخلاتها من أجل التحكم بنتائجها عندما تحدث ... بدءا من تشكل الاقتصادات الجزئية، وعضوية الهياكل الدولية الكبرى، وأذرعتها العملاقة العابرة للقارات، وما يتبع ذلك من صياغة الدساتير والقوانين المحلية على جميع المستويات السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، وهندسة الاتفاقيات الثنائية، وبناء الجيوش، وترتيب صفقات التسلح، وهندسة مناطق النفوذ وإيجاد أبواب الطوارئ ومخارج النجاة الإقليمية... وتذويب العقائد وتفكيك التكتلات الحزبية والقومية، وصهر ذلك كله في أفران مشتعلة وقودها الحاجة إلى الأمن في الشق المترف من منطقتنا، والحاجة إلى ما يحفظ البقاء ويقيم الأود في الشق المعوز من المنطقة، وهكذا صارت الآلهة الجديدة تطعم من جوع وتؤمن من خوف، فمن أجل البقاء على قيد البقاء يتراجع تشبث الفقراء بالسيادة، ومن أجل المحافظة على حالة الرفاه والثروة يضحي الأغنياء بجزء كبير من هذه الثروة ومعه جزء أكبر من السيادة، على قاعدة استجار القوة الضامنة لذلك كله دون السماح ببنائها ذاتيا...
في الوقت الذي يشتد فيه التنافس بين القوى المهيمنة من جهة وبين القوى الواعدة أو الصاعدة أو الطامحة تنمو القوى المستلقية على ظهور الهوامش أسفل المتون، تكتب وجودها بخطوط لا ترى، وتمارس أدوارها في منتهى الأمانة، وتغلفها بما يطرب القلب، و(يقشعر) الجلد، ويشنف الآذان ويوقف شعر الرأس من عبارات الحماسة والسؤدد، وهذا كله أمر مشروع يشبه تماما ما تمارسه الكائنات العاشبة عندما تزعم أنها ترتبط بعلاقات طيبة مع المفترسات من آكلات اللحوم، وعلى هامش الهامش ينشأ طبالون وزمارون وجوقة مهمتها ترويج التكافؤ والندية والمحافظة على العلاقات الطيبة وتبرير اعتداءات اللواحم على بعض العشبيات المارقة، وما أن يهدأ غبار المعركة وتصبح المفترسات وحدها في الميدان حتى تستبد بها شهوة الافتراس من جديد، وتصير العواشب كلها مجرد وجبات طازجة أو مؤجلة...
اليوم يأخذ الصراع في المنطقة بعدا مختلفا يكاد يكون مفرغا من أي قيمة أخلاقية إلا من فائض القوة، واليوم تستبد إسرائيل تحت غطاء أمريكي ضاف على المنطقة، وتعمل فيها ماكنة القتل والتدمير غربا وشرقا، ويستعد الحليفان الآن لتوجيه ضربة موجعة لإيران قد تزعزع النظام هناك، وقد تسقطه، وقد تم التمهيد لذلك بخلق حالة عارمة من الفوضى ربما تنجز المهمة قبل اللجوء للقوة المفرطة التي يتوعدون بها إيران، وبغض النظر عن مصير إيران أو غيرها من القوى الإقليمية التي لم يحن دورها بعد، وما زالت مؤجلة على مائدة الغد، فإن زوال التوازنات التي تحكم الإقليم، وكسرها واحتوائها بالقوة سينهي دور كثير من العواشب والقوى التي نبتت على ضفاف الهوامش بعد أن تمسح المتون والعناوين المؤثرة، وربما تبدأ سياسة جز العشب عن جوانب الطرق حتى تدخل جميع آكلات العشب إلى الحظائر المغلقة، حيث يجري تسمينها قبل إرسالها إلى المسالخ الأنيقة، ربما لا ينجو أحد من آكلات البقل سوى السلاحف التي لم تنسلخ من جلودها، وآثرت أن تظل في دروعها التي خلقت لتظل فيها شاهدة على ما كان وما سيكون.