كيف تُحدث الحكومات تغييرًا كبيرًا دون مغامرة؟
أ. د. هاني الضمور
14-01-2026 08:16 PM
التغيير الجذري في عمل الحكومات لا يتحقق بالاندفاع ولا بالشعارات، بل عبر قرارات عقلانية تستند إلى أدوات جديدة وتجارب مجرّبة. فالدول التي نجحت في الانتقال من أزمات اقتصادية وإدارية عميقة إلى مسارات استقرار ونمو، لم تكن أوضاعها أقل تعقيدًا من الحالة الأردنية، لكنها امتلكت شجاعة محسوبة، وقدرة على التعلم من الآخرين، واستعدادًا لإعادة تعريف دور الدولة وأدواتها. والسؤال الجوهري هنا ليس ما إذا كان التغيير ممكنًا، بل كيف يمكن إنجازه دون مقامرة بمقدرات الدولة.
تُظهر التجارب العالمية أن نقطة الانطلاق لأي تغيير حقيقي تكمن في وضوح وظيفة الحكومة. ففي سنغافورة، لم يكن النجاح نتيجة توسّع الدولة في كل القطاعات، بل ثمرة تركيزها الصارم على بناء مؤسسات عالية الكفاءة، ووضع قواعد واضحة، وتطبيق صارم للقانون، مع ترك المجال للاقتصاد الحقيقي ليقود النمو. الدرس هنا أن الدولة القوية ليست الدولة المتضخمة، بل الدولة التي تعرف أين تتدخل وأين تنسحب.
أما على مستوى أدوات الحكم، فتقدم تجربة إستونيا نموذجًا لكيف يمكن لتحديث الأدوات أن يغيّر طبيعة الدولة نفسها. فالتحول الرقمي لم يكن مشروعًا تقنيًا بقدر ما كان قرارًا سياسيًا لإعادة تصميم العلاقة بين المواطن والحكومة، وتقليص البيروقراطية، ورفع الشفافية، وتسريع القرار. التغيير هنا لم يحتج خطابات كبرى، بل احتاج إلى بنية بيانات، ومؤشرات أداء، وقدرة على اتخاذ قرار سريع قابل للمراجعة.
في المجال الاقتصادي، تؤكد تجربة ألمانيا أن بناء اقتصاد متماسك لا يتم عبر حلول طارئة، بل عبر استثمار طويل الأمد في الصناعة، وسلاسل القيمة، وربط التعليم والتدريب المهني مباشرة باحتياجات السوق. هذا النموذج يوضح أن معالجة البطالة لا تكون بالتوظيف الحكومي أو الدعم المؤقت، بل ببناء منظومة إنتاج تُكافئ المهارة والانضباط والاستمرارية.
وعندما ننتقل إلى الملفات السيادية، وعلى رأسها المياه، تبرز تجربة أستراليا كنموذج عملي لإدارة الندرة بعقلية استراتيجية. فقد واجهت أستراليا موجات جفاف حادة هددت الزراعة والمدن الكبرى، لكنها تعاملت مع الملف باعتباره قضية أمن وطني طويل الأمد، فاستثمرت في تحلية المياه، وإعادة الاستخدام، وإدارة الطلب، واتخذت قرارات غير شعبوية لكنها مبكرة. النتيجة لم تكن فقط تجاوز الأزمة، بل بناء نظام مائي أكثر مرونة وقدرة على الصمود. الدرس الواضح هنا أن كلفة القرار الصعب المبكر أقل بكثير من كلفة التأجيل.
غير أن أي إصلاح اقتصادي أو إداري يفقد شرعيته إذا لم يُدار اجتماعيًا بعدالة. ففي التجربة الإسكندنافية، وتحديدًا في السويد، جرى تمرير إصلاحات عميقة ومؤلمة نسبيًا، لكن ضمن عقد اجتماعي واضح يقوم على الشفافية، وتكافؤ الفرص، وبدء الدولة بنفسها قبل مطالبة المجتمع بالتضحيات. الإصلاح، في هذا السياق، لم يكن صادمًا لأنه كان مفهومًا وعادلًا.
في الحالة الأردنية، تشير هذه التجارب مجتمعة إلى أن الحكومة لا تحتاج إلى سياسات مبتكرة بقدر حاجتها إلى أدوات حكم جديدة. أدوات تقوم على وضوح القرار، وربط المسؤولية بالنتائج، وقياس الأداء علنًا، واتخاذ قرارات سريعة قابلة للتصحيح. التغيير الكبير لا يعني كسر النظام، بل تحديثه من الداخل، وتغيير إيقاعه، ومنطق عمله.
ما طُرح في الخطاب الأخير لرئيس الوزراء جعفر حسان يعكس إدراكًا لطبيعة هذه المرحلة، لكن التجارب الدولية تُظهر أن الفارق بين الدول التي تنجح والدول التي تتعثر لا يكمن في جودة التشخيص، بل في القدرة على تحويل الرؤية إلى منظومة تنفيذ مختلفة، أكثر صرامة، وأوضح محاسبة، وأسرع استجابة.
الخلاصة أن التغيير الحقيقي لا يحتاج مغامرة غير محسوبة، لكنه أيضًا لا يحتمل حذرًا يُشلّ القرار. بين الاندفاع والجمود، توجد مساحة واسعة لعمل استراتيجي عقلاني، يستفيد من خبرات الآخرين، ويصوغ طريقه الخاص بثقة. هناك فقط، يمكن للدولة أن تُحدث تغييرًا كبيرًا… دون تردد، ودون تهوّر.