هكذا بدأت الحكاية…
قبل أن أفهم الطعام، وقبل أن أعرف كيف يمكن لوليمةٍ واحدة أن تختصر مسافات، وتفتح بابًا في الذاكرة.
وصلتُ دبي ليلة أمس، وصولَ العابر الذي يظن أن السفر ينتهي حين تصل، ثم يكتشف أن بعض الرحلات لا تبدأ إلا بعد الوصول.
لكن ظهر يوم أمس، كنا – أنا والختيار سمير الحياري، والختيار أحمد سلامة، والأستاذ محمد التل، وصديقهم المحامي ايمن ابوشرخ – على موعدٍ مع عزومة عند “ ناصر الجنيني” في عمّان… عمّان الشتاء، حين كان المطر ينهمر كأنه يغسل الضجيج عن الأرصفة، ويترك للدفء أن يأتي من الناس لا من الجو.
لم أسأل: ماذا سنأكل؟
في بعض الدعوات، السؤال يُفسد الدهشة.
وأنا معتاد على أن أقول: “واووو”… والدهشة هنا كانت جزءًا أصيلًا من الكرم.
عمّان كانت في مزاجها الشتويّ الأجمل…
مطرٌ يعيد ترتيب المدينة بهدوء، هواءٌ بارد يلمس الوجه كأنه يوقظه، ودفءٌ يسبقنا إلى البيت قبل أن ندخل.
وحين نادى المعزّب، ووقفنا حول المائدة، اكتشفتُ أن المفاجأة ليست في “الأكل” وحده، بل في رمزيته:
صدرٌ كبير يتوسّط الطاولة كأنه قلبها، عليه أربع رؤوس، وحوله كرش وفوارغ وكوارع… “أشْه” وعلى الطرف، صحن فتّة كبير، يسند المشهد كعمود في وليمة قديمة.
سألت، بفضول طفل يفتح بابًا لم يرَه من قبل:
فتّة شو؟
فأجابوا ببساطة من يعرف:
فتّة لسانات.
وكان هناك جاط شوربة كبير… لا يبدو كطبق جانبي، بل كافتتاحية رسمية لطقسٍ كامل: أن تُؤكَل الحكاية قبل اللقمة، وأن تُصبّ الألفة في الكاسات قبل الماء.
جلسنا… ولم نكن نأكل فقط.
كنا نستعيد شيئًا أعمق: طعم اللمة، وشهية الزمن، وفكرة أن بعض النِعَم لا تُقاس بالمكوّنات، بل بمن يجلس حولها.
كان الحديث يسير بيننا كما يسير المطر خلف الزجاج: خفيفًا، مستمرًا، يترك أثره دون أن يطلب انتباهًا.
ضحكة هنا، تعليق عابر هناك، وصمت جميل في لحظاتٍ معيّنة… حين يدرك الإنسان أن السعادة أحيانًا لا تحتاج سببًا كبيرًا، فقط مائدة صادقة، وكوارع، ورفقة طيبة.
وفي منتصف الحكاية، وجدتني أنصح الختيارية – بجدٍّ فيه شيء من المزاح – أن يُكثروا من الكوارع.
قلت لهم:
“هذا كولاجين… وإنتو أولى الناس فيه!”
فضحكنا، لكنّي كنت أعرف في داخلي أن المقصود لم يكن الكولاجين وحده…
بل أن يظلّ في العظام ما يكفي من صلابة،
وفي القلب ما يكفي من فرح،
وفي العمر ما يكفي من “لمة” جديدة.
عدتُ بعدها، وفي ذهني فكرة بسيطة:
أن السفر الحقيقي ليس من مدينة إلى مدينة…
بل من يومٍ عادي،
إلى لحظةٍ تشبه الوطن.