هل ما زال الالتزام رابطة قانونية… أم أصبح علاقة تشغيلية؟
د.جلال الشورة
20-01-2026 10:59 AM
منذ نشأة نظرية الالتزام في القانون المدني، استقر الفقه على تعريفه بوصفه رابطة قانونية بين دائن ومدين، يلتزم بموجبها المدين بأداء معين لصالح الدائن. هذا التعريف، على بساطته الظاهرة، شكّل أحد أعمدة القانون الخاص، وجرى تلقينه للأجيال بوصفه حقيقة مستقرة لا تقبل المراجعة. غير أن السؤال الذي بات مشروعًا اليوم هو: هل ما زال هذا التعريف قادرًا على تفسير الواقع القانوني المعاصر؟
تعامل القانون المدني الأردني، على خطى الفقه اللاتيني، مع الالتزام باعتباره علاقة شخصية تقوم على طرفين محددين، ومحل محدد، ورابطة قانونية قابلة للتنفيذ الجبري. وقد كان هذا البناء منسجمًا مع اقتصاد تقليدي، وعقود ثنائية واضحة، وافتراض إرادة تفاوضية متكافئة نسبيًا، وهو الافتراض الذي قامت عليه نصوص القانون المدني عند تنظيمها لمصادر الالتزام وسلطان الإرادة. إلا أن هذا الافتراض نفسه أصبح اليوم موضع تساؤل جدي.
في الاقتصاد الرقمي الحديث، لم يعد الالتزام دائمًا نتيجة مفاوضة حقيقية، ولا حتى ثمرة عقد بالمعنى التقليدي. فعلاقات مثل استخدام المنصات الرقمية، وعقود الضغط على زر أوافق، والخدمات القائمة على الخوارزميات، أفرزت نمطًا جديدًا من الالتزامات لا يقوم على التفاوض، بل على الاندماج القسري في نظام مُعدّ سلفًا. فالطرف الذي يُفترض فيه أنه ́’مدين’́ لا يتصرف هنا بإرادة حرة بالمعنى الذي افترضه الفقه التقليدي، بل يخضع لبنية تشغيلية مسبقة الصياغة، لا يملك تعديلها ولا مناقشتها، ومع ذلك نُصرّ فقهيًا على توصيف هذه العلاقة بأنها التزام تعاقدي كامل الأوصاف.
ورغم هذا التحول الواضح في طبيعة العلاقات القانونية، ما يزال القضاء الأردني، في معظمه، يتعامل مع الالتزام ضمن ثنائية تقليدية حادة: إما عقد صحيح مستكمل أركانه، أو مسؤولية تقصيرية تقوم على فعل وضرر وعلاقة سببية. ويظهر ذلك في العديد من أحكام محكمة التمييز التي تحصر التكييف القانوني ضمن هذين الإطارين، بينما تُترك منطقة وسطى واسعة تفرض فيها الوقائع التزامات فعلية دون عقد تفاوضي حقيقي، ودون خطأ تقصيري بالمعنى الكلاسيكي.
وهنا لا يكون السؤال موجّهًا إلى القاضي بصفته شخصًا، بل إلى الإطار النظري الذي يعمل داخله: هل يمكن للقاضي، بالأدوات النظرية التقليدية ذاتها، أن يحقق عدالة في علاقات لم تُصمَّم أصلًا على هذا الأساس؟ فالمسألة لم تعد مسألة اجتهاد فردي، بل مسألة صلاحية مفاهيم تأسيسية لمواجهة واقع قانوني جديد.
إن الحديث عن ́’علاقة تشغيلية’́ لا يعني إنكار الالتزام أو الدعوة إلى إلغائه، بل هو محاولة لإعادة توصيفه بما ينسجم مع طبيعة العلاقات المعاصرة. فهذا الالتزام قد يكون مفروضًا بحكم البنية التقنية، ومحكومًا بشروط غير قابلة للنقاش، ويُنفّذ آليًا دون تدخل بشري مباشر. وهو ما يفرض مراجعة جادة لمفاهيم راسخة مثل سلطان الإرادة، والرضا، والتوازن العقدي، لا من باب الترف الفقهي، بل من باب سلامة التطبيق القضائي وعدالته.
الخطر الحقيقي لا يكمن في تطور الواقع القانوني، فالتطور سنة طبيعية لا يمكن وقفها، وإنما يكمن في إصرار النظرية على تجاهله. فعندما يعجز المفهوم عن تفسير الواقع، يصبح القاضي أسير النص، ويغدو النص عبئًا على العدالة بدل أن يكون أداتها.
السؤال، إذن، ليس ما إذا كنا بحاجة إلى إلغاء نظرية الالتزام، بل ما إذا كنا نملك الشجاعة الفقهية لإعادة بنائها بما ينسجم مع واقع لم يعد كلاسيكيًا، ومع علاقات قانونية لم تعد تُدار بالإرادة وحدها، بل بالأنظمة والهياكل التي تفرض نفسها قبل أي تفاوض.