facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من يتحمل العبء ومن يدفع الثمن؟


فيصل تايه
20-01-2026 11:13 AM

لم نزل نعاني كل شتاء من ارتفاع قيم فواتير الكهرباء، وهي قضية مقلقة تحولت إلى مادة يومية للتوتر الجماعي وإثارة الرأي العام في ظل شعور يتردد بين المواطنين بوجود أمر خفي يفرض عليهم دون علمهم ، وهذا الشعور مفهوم تماماً في ظل الضغوط الاقتصادية وغلاء المعيشة، لكنه لا يمكن أن يعتبر "حقيقة" إلا إذا استند إلى وقائع صلبة ، فالقضايا العامة، خصوصاً تلك التي تمس حياة الناس مباشرة، لا تحسم بالانطباعات، بل بالأرقام والحسابات الدقيقة.

الحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح هي أن استهلاك الكهرباء خلال شهري "كانون الأول وكانون الثاني" يختلف جذرياً عن بقية أشهر السنة ، ففي هذه الأشهر، يعتمد آلاف المواطنين على الكهرباء كوسيلة رئيسية للتدفئة وتسخين المياه ، لحاجة فرضها البرد القارس وغياب بدائل أقل كلفة ، فالمدفاة الكهربائية التي تعمل لساعات طويلة، وسخان المياه الذي لا ينطفئ، والمكيف على وضع التدفئة، كلها أجهزة تستهلك طاقة ضخمة، تفوق أضعاف ما يستهلكه المنزل في الظروف العادية ، وهي كفيلة وحدها بنقل المشترك إلى شرائح أعلى ورفع قيمة الفاتورة بشكل كبير ، وهذا الواقع ليس مجرد رأي، بل حقيقة فيزيائية لا يمكن إنكارها، ويجب على كل مواطن أن يراها على عداده الخاص.

النقطة الأكثر حساسية في النقاش هي الادعاء بأن شركات الكهرباء تقوم بتوزيع الفاقد على المواطنين ، هذا الادعاء، رغم تكراره، يصطدم بحقيقة تقنية لا تحتمل الشك ، وهي ان كل مواطن يمتلك عداداً كهربائياُ إلكترونيا مستقلاً ، يسجل كمية الاستهلاك بدقة رقمية ، وهذا العداد لا يعرف من صاحبه ولا من يقرأه، ولا يمكن أن يضاف إليه أي استهلاك لم يحدث ، والفاتورة التي تصل إلى المواطن لا تكتب على أساس تقديرات أو فرضيات، بل على الرقم الفعلي الذي سجله العداد ، فأي مواطن يمكنه بنفسه أن يقرأ عداده، يحسب استهلاكه، ويقارنه بالشهر السابق، ليتأكد بأن ما يستهلكه هو ما يدفع ثمنه بالضبط.

ويزداد الجدل أحياناً مع ربط ارتفاع الفواتير بانخفاض الفولت، أو الادعاء بأن ذلك يؤدي إلى مضاعفة قراءة العداد أو خلق استهلاك غير حقيقي، وهو ربط لا يستند إلى أساس علمي ، فعداد الكهرباء لا يسجل الفولت أو الأمبير كقيم منفصلة، بل يسجل الطاقة المستهلكة فعلياً بوحدة الكيلوواط/ساعة، أي أنه لا يمكنه احتساب طاقة لم تستهلك أصلاً ، ولا تسجيل استهلاك وهمي بسبب انخفاض الجهد ، فاحتساب الاستهلاك يعتمد على القدرة الفعلية والزمن، لا على تغيرات الفولت وحدها، ما يجعل هذا النوع من الاتهامات غير دقيق علمياً .

لو كان هناك أي تحميل للفاقد أو تلاعب بالفواتير، لكان واضحاً على الفور عند المقارنة ، فكل القفزات في الفاتورة هي انعكاس مباشر لزيادة الاستهلاك نفسه، لا لممارسات خفية ، فالفاتورة ليست سوى ترجمة رقمية لما استهلك فعلياً ، ومهما بدا الرقم صادماً أو مرهقاً ، فهو الواقع الصادق الذي لا يمكن تجاوزه أو إنكاره.

المقارنة الجغرافية تقدم دليلاً إضافياً على ذلك ، ففي مناطق مثل الأغوار والعقبة، حيث الشتاء معتدل، لا تشهد الفواتير ارتفاعاً مماثلاً للمدن والمرتفعات الباردة ، بينما ترتفع في الصيف نتيجة الاستخدام المكثف للمكيفات ، ولو كانت هناك سياسة لتوزيع فاقد الكهرباء على الجميع، لكانت الزيادة ثابتة في كل المناطق والفصول، وهذا لم يحدث أبداً ، لكن التفاوت في الاستهلاك مرتبط بالمناخ وبالسلوك الفعلي للمواطنين، وليس بمؤامرة أو تلاعب.

هذا لا يعني الدفاع الأعمى عن شركات الكهرباء، ولا إلغاء حق المواطن في التساؤل أو المطالبة بعدالة التعرفة ، فمن حق المواطن أن يناقش سياسات الطاقة، ويطالب بحلول تدفئة أقل تكلفة وأكثر كفاءة، ويشارك في النقاش العام بشكل واع ، لكن من غير العادل، ولا المجدي، تحويل القضية إلى اتهام لا يستند إلى دليل، لأن ذلك لا يحل المشكلة ويزرع فقط فقدان الثقة والشعور بالظلم.

الخطورة تكمن في الطريقة التي يدار بها الوعي العام ، عندما يقنع المواطن بأن هناك جهة "تسرقه" دون أي دليل ملموس، فإننا نزرع الشك والخوف بلا داع ، بينما، عندما نضع الأرقام أمامه، ونشرح له طريقة قراءة العداد، وكيفية احتساب الاستهلاك وارتفاع القيم وفق الشرائح، ونقارن بين فصول السنة والمناطق المختلفة، فإننا نحول الغضب إلى وعي، والشك إلى معرفة.

في النهاية، الحقيقة صريحة وواضحة: ارتفاع قيم فواتير الكهرباء في شهري الشتاء ليس لغزاً ، ولا مؤامرة، بل انعكاس مباشر لاستهلاك حقيقي ومتزايد ، ومعرفة المواطن بهذه الحقيقة لا تلغي حقه في المطالبة بالإصلاح، لكنها تمنع تضليل الرأي العام، وتعيد النقاش إلى مساره الطبيعي ، والمطلوب هو البحث عن حلول لتخفيف العبء، وتحسين كفاءة الطاقة، وتوفير بدائل، ومواجهة الواقع بعقل بارد لا بانفعال مؤقت.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :