إعادة ترتيب خريطة الفهم الاسلامي على أرض الواقع
يوسف العامري
22-01-2026 01:55 AM
في زمنٍ تضخّم فيه الخطابُ عن الزهد حتى صارَ سكيناً تُقطع بها أوصال الحياة، وسجّادَةً تُفرشُ على جثة العمل، وقف معالي وزير الأوقاف محمد الخلايلة وقفةً حاسمةً كأنّه يُعيدُ ترتيبَ خريطةِ الفهم الإسلاميّ من جذورها: «حضارة الإسلام قامت على العمل، وإتقان المهن، وبناء الأرض، لا على الهروب منها». هذه الجملة ليست مجرد تصريحٍ إداريٍّ، بل هي شهادةٌ تاريخيةٌ مُؤسَّسةٌ على نصٍّ وواقعٍ، كأنّها حجرٌ يُرمى في بحيرةِ التصوّف المُشوّه فيُحدث دوائرَ تُعيدُ ترتيب المياه المُعطّلة.
فالإسلامُ لم يُرسِّخْ مفهومَ الزهدِ كنفيٍّ للحياة، بل كتَزهيدٍ في زخارفها الفارغة، وتنقيةٍ لنيّةِ العامل، وترقيةٍ لعمله حتى يصير عبادةً. انظر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يُصلح نعلَه، ويغزل مع عائشة، ويُساعد في بناء المسجد، ويُعلّم الخياطةَ والحدادةَ والزراعةَ كأنّها فرائضُ من فرائض الإيمان. فالمهنةُ عندَه ليست سلّماً للثراء، بل محرابٌ للإخلاص، وساحةٌ لاختبار التقوى، ودليلٌ على صدقِ التوحيد: فمَن عبَدَ اللهَ في محرابِ الصلاة، فليعبده في محرابِ الورشةِ والمكتبِ والحقول.
أما الزهدُ السلبيُّ الذي يُروّجُ له بعضُ المُتفلسفةِ والمتكلّمين، فيُحوّلُ الدين إلى سجنٍ نفسيٍّ، ويُصوّرُ الدنيا كأنّها ساحةُ شرٍّ لا تُبنى، بل تُهدم. لكنّ القرآنَ يُخاطبُ المُؤمنينَ: ٢وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، فالتوازنُ ليس خياراً، بل هو منهجٌ إلهيٌّ. والعملُ ليس ترفًا، بل هو جزءٌ من العقيدة، كأنّ كلّ مسمارٍ يُدقّ في بناءٍ، وكلّ حرفٍ يُكتبُ في كتابٍ، وكلّ بذرةٍ تُزرعُ في ترابٍ، هي صلاةٌ لا تُؤدّى على السجّادة، بل على أرض الواقع.
وإذا كانت الحضاراتُ تُقاسُ بإنجازاتها المادية والفكرية، فما أروعَ أن نستعيدَ روحَ الخلفاء الراشدينَ الذين كانوا يُصلحونَ القنوات، ويُراقبونَ الأسواق، ويُعلّمونَ الناسَ الحِرَفَ، لا لأنّها وسيلةٌ للعيش، بل لأنّها وسيلةٌ لتمجيدِ الخالقِ في تفصيلاتِ الخلق.
إذن، فرفضُ معالي الوزير للزهدِ السلبيّ ليس رفضاً للعبادة، بل هو تأكيدٌ على أنّ أسمى العباداتِ تُبنى باليدِ التي تُمسكُ المطرقة، والعينِ التي تُدقّقُ في التفاصيل، والقلبِ الذي لا ينسى اللهَ في زحمةِ العمل. فليكنْ إتقانُ المهنةِ جزءاً من إيماننا، ولتكنْ أرضُنا مسجداً نُصلّي فيه بالجدّ، لا نهربُ منه إلى سجّادةٍ لا تُحرّكُ حجراً، ولا تُنبتُ شجراً، ولا تُشعلُ فكراً.