بعيدًا عن الانفصام السياسي: مصلحة الأردن بالمشاركة في مجلس السلام
طارق أبو الراغب
23-01-2026 09:20 AM
بعيدًا عن الانفعالات والشعارات، وفي خضم التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة، يصبح التفكير بعقل الدولة لا بعقل الجماعة ضرورة وطنية لا خيارًا سياسيًا. فالمشاركة الأردنية في مجلس السلام العالمي لم تكن خطوة منفردة أو معزولة، بل جاءت ضمن إطار عربي وإسلامي واضح، هدفه تثبيت الحضور والتأثير في واحدة من أهم المنصات الدولية التي ستناقش ملفات مصيرية في المرحلة المقبلة.
اللافت أن جماعة الإخوان المسلمين المحظورة ومن يدور بفلكها مستترا سارعت إلى إصدار بيانات رفض لهذه المشاركة، متناسية أو متغافلة عن واقع سياسي أكثر تعقيدًا، في وقت وافقت فيه حركة حماس – نفسها – على تسليم سلاحها ووضع خارطة الأنفاق بيد إسرائيل مقابل خروج آمن والتحول إلى عمل سياسي غير عسكري داخل غزة، رغم رفض إسرائيل للبند الأخير. هذا التناقض يطرح سؤالًا جوهريًا حول معايير الرفض والقبول، وحول من يمارس السياسة بعقل الدولة ومن يصرّ على عقلية الشعارات.
الأردن، بدخوله مجلس السلام، لم يفرّط بثوابته، ولم يساوم على قضيته المركزية فلسطين، بل اختار أن يكون حاضرًا حيث تُصاغ المواقف وتُناقش الحلول، لأن الغياب في هذه المرحلة لا يعني إلا ترك الساحة فارغة للآخرين. وجود الصوت العربي والإسلامي داخل هذا المجلس ليس ترفًا سياسيًا، بل مصلحة استراتيجية، خاصة مع ما يُطرح من ملفات كبرى ستعيد رسم خرائط الولاءات السياسية، وتؤثر على مشاريع شموليه بالمنطقة، وتنافس شرس يصل خطوط حمراء في ظل دور أمريكي يتجاوز الشكل إلى الجوهر ويهشم بروتوكولات واتفاقات وادبيات سياسية.
متعاملا بمنطق اللامنطق من اجل مصالحه ٠
نحن اليوم أمام لحظة اختيار صعبة، وقد اختار الأردن الخيار الأكثر اتزانًا: حماية كيانه، وتعزيز حضوره، والحفاظ على تأثيره، دون التخلي عن فلسطين أو المساومة عليها. ومن هنا، فإن الواجب الوطني يقتضي الوقوف مع خيارات الدولة، لا الانجرار خلف انفصام سياسي يقرأ المشهد بعين واحدة ويتجاهل تعقيد المرحلة وخطورة القادم.
الأردن كان وسيبقى في قلب القضية، لكنه في الوقت نفسه مسؤول عن نفسه، عن استقراره، وعن موقعه في معادلة إقليمية ودولية تتغير بسرعة… ومن لا يدرك ذلك، يقرأ السياسة خارج الزمن.