كيف تصنع المرأة المعاصرة التوازن في حياتها الزوجية؟
د. جهاد يونس القديمات
25-01-2026 06:48 PM
في كثير من البيوت لا تكون المشكلة في الزوج بقدر ما تكون في طريقة إدارة العلاقة معه، فحسن معاشرة الزوج لا يبدأ من مطالبه ولا من تغييره بالقوة، بل من الفكر الذي يحكم تعامل الزوجة: كيف ترى الزواج، وكيف تفهم الرجل، وكيف تعبر عن نفسها دون أن تخسر احترامها أو استقرار بيتها؟.
الزوج في الثقافة العربية، والأردنية تحديدا، لا يستجيب للأوامر بقدر ما يستجيب للشعور، شعوره بالتقدير والقبول، وبأنه ليس موضع محاكمة دائمة، فحين تتحول العلاقة إلى ساحة تصحيح أخطاء، يفقد الرجل رغبته في العطاء، حتى وإن كان في داخله محبا ومسؤولا، هنا يظهر أثر الفكر؛ فزوجة ترى الزواج شراكة تبني، تختلف جذريا عن زوجة ترى الزواج ساحة إثبات قوة أو انتصار رأي.
حسن المعاشرة لا يعني الصمت عن الخطأ ولا التنازل عن الكرامة، بل يعني اختيار الأسلوب، الكلمة اللينة في وقتها، والعتاب الهادئ بدل التوبيخ، والطلب الواضح بدل التلميح المستفز، فكثير من الرجال ينفرون لا من الفكرة نفسها، بل من طريقة طرحها، الفكرة ذاتها قد تقابل بالقبول أو بالرفض الكامل حسب الأسلوب.
الفكر الذي تتبناه المرأة المعاصرة ينعكس مباشرة على سلوك الزوج، فالمرأة التي تؤمن بأن الاحترام ينتزع بالقوة، غالبا ما تواجه رجلا عنيدا أو منسحبا، بينما المرأة التي تفهم أن الاحترام يبنى بالتوازن بين الحزم والاحتواء، غالبا ما تجد زوجا أكثر مرونة واستعدادا للتغيير، فالرجل العربي بطبيعته يتأثر بمن يشعره أنه قائد دون أن يلغى، ومسؤول دون أن يستفز.
في السياق الأردني، حيث الضغوط الاقتصادية والاجتماعية عالية، يصبح البيت إما مساحة أمان أو ساحة ضغط إضافية، فالزوج الذي يعود إلى بيت هادئ، تدار فيه الخلافات بعقل بحكمة لا بانفعال وعدوانية، يتحول تدريجيا إلى زوج أكثر قربا واهتماما، أما البيت الذي تسوده المقارنات، واتهامات التقصير، وتأثيرات وسائل التواصل التي تزرع شعور النقص أو المنافسة، فيتحول إلى مكان يهرب منه الرجل نفسيا وإن كان حاضرا جسديا.
من الأخطاء الشائعة في رأينا أن تقاس حسن المعاشرة بتصرفات شكلية: هدايا، كلمات رومانسية، أو مظاهر خارجية، بينما الجوهر الحقيقي هو الاستقرار النفسي، فالرجل قد يقصر في التعبير، لكنه يعطي بطرق أخرى: تحمل وصبر، عمل والتزام، فالفكر الواعي المتزن يلتقط هذه الإشارات بدل تجاهلها أو التقليل من أهميتها.
كما أن احترام الرجل لا يعني تهميش الذات، فالمرأة الواعية فكريا تعبر عن احتياجاتها بوضوح، دون ابتزاز عاطفي مثل المبالغة في الحزن او التباكي، أو حتى تهديد مبطن، تقول ما تريد، ومتى تريد، ولماذا تريد؟، دون صراخ أو إهانة او اتهام مجحف، هذا الوضوح يمنح العلاقة نضجا، ويجعل الزوج يتعامل مع زوجته كشريكة دائمة لا كخصم استراتيجي، كمكملة للتوازن، لا كند منافس، وتحمل في قلبها كل المكر والحقد، والرغبة الشديدة بالانتقام.
التأثير الحقيقي لا يكون بالصدام، بل بالثبات، فالمرأة التي تحافظ على قيمها، وهدوئها، وحدودها، تحدث أثرا طويل المدى في قلب وسلوك الزوج ومزاجه، أما التقلب بين اللين الزائد والتصعيد المفاجئ، فيربك العلاقة ويضعف الثقة، فالفكر المتزن يخلق أسلوبا متزنا، والأسلوب المتزن يصنع معاشرة حسنة أبدي.
باختصار، حسن معاشرة الزوج ليس مهمة الرجل وحده ولا المرأة وحدها، لكنه يبدأ من وعي المرأة بدورها وتأثيرها، ليس لأنها أقل أو أكثر، بل لأنها غالبا الأكثر قدرة على إدارة التفاصيل اليومية، وصناعة المناخ المتوازن داخل البيت، فحين يكون الفكر واضحا، والقيم ثابتة، والأسلوب ذكيا، يصبح الزواج مساحة نمو لا ساحة صراع، ويصبح الرجل أقرب لما تتمنى زوجته، لا لأنه أُجبر، بل لأنه شعر أنه مقدر.
jehadhr@gmail.com