احتياطي الذهب الأردني: بين "بريق الاكتناز" و "تكلفة الدين"
مجد جلال عباسي
25-01-2026 07:02 PM
تشير الأرقام الرسمية الصادرة عن البنك المركزي الأردني لنهاية عام 2025 إلى مشهد اقتصادي يحمل وجهين متناقضين:
• درع الأمان (الأصول): ارتفاع احتياطي الذهب إلى 10 مليارات دولار (2.342 مليون أونصة)، مع وصول الاحتياطيات الأجنبية إلى 25.5 مليار دولار (تكفي لـ 9 أشهر من المستوردات، وهو رقم يتجاوز المعيار العالمي الآمن البالغ 3 أشهر بثلاثة أضعاف).
• نزيف الموازنة (الالتزامات): ارتفاع تكلفة خدمة الدين العام بنسبة 14.4% لتصل إلى 4.8 مليار دينار، منها 1.1 مليار دينار كفوائد فقط (بنمو 19.4%).
هذه الأرقام تضع صانع القرار الاقتصادي أمام خيار استراتيجي حاسم: كيف يمكن استغلال القوة المالية الكامنة (الذهب) لمعالجة الضعف المالي المتصاعد (الدين العام)؟
لماذا يعتبر الذهب حالياً "أصلاً جامداً"؟
في العرف الاقتصادي، الذهب هو "ملاذ آمن" يحفظ القيمة، ولكنه لا يدر عائداً جارياً (Non-Yield-Bearing Asset). على العكس تماماً، الدين العام هو التزام "حي" ينمو ويتضخم يومياً بفعل الفوائد المركبة.
الاحتفاظ بـ 10 مليارات دولار من الذهب في الخزائن في ظل دفع 1.1 مليار دينار سنوياً كفوائد ديون، يشبه امتلاك عقار فاخر مغلق، بينما يقترض صاحبه المال لدفع إيجار منزله اليومي.
الاستراتيجيات المقترحة:
1. المسار الأول: بيع جزء من الذهب لسداد الديون عالية الكلفة مع التفاوض على تخفيض الدين
يمكن تسييل نسبة معينة من احتياطي الذهب (مثلاً 20% إلى 30%) واستخدام الحصيلة لإطفاء الديون المحلية ذات الفوائد المرتفعة.
• العائد الاقتصادي: توفير مئات الملايين من الدنانير المخصصة سنوياً لدفع الفوائد، وإعادة توجيهها نحو قطاعات الصحة، والتعليم، والبنية التحتية.
2. المسار الثاني: استثمار الذهب في مشاريع سيادية كبرى
بدلاً من البيع المباشر، يمكن استخدام الذهب كضمانة (Collateral) لتمويل مشاريع استثمارية كبرى، أو بيعه وضخ قيمته في صندوق استثمار سيادي.
• القاعدة الذهبية: يجب أن يكون العائد من هذه المشاريع (مثل مشاريع الطاقة المتجددة، التعدين، أو تحلية المياه) أعلى من تكلفة خدمة الدين العام (التي تزيد حالياً عن 6% على أوراق الدين المحلي). إذا كان المشروع يدر عائداً بنسبة 10%، فإن هذا يحقق فائضاً للاقتصاد الوطني.
3. المسار الثالث: تأجير الذهب (Gold Leasing) بعوائد تتجاوز 500 مليون سنوياً
يمثل هذا الخيار الأداة المالية الأكثر ذكاءً والتي تعتمدها العديد من البنوك المركزية عالمياً. بدلاً من بيع الذهب، يقوم البنك المركزي الأردني بـ "إقراض أو تأجير" جزء من احتياطيه الذهبي لمؤسسات مالية عالمية (Bullion Banks) في أسواق المعادن المعتمدة (مثل سوق لندن) لفترات زمنية محددة.
• آلية العمل: يحتفظ البنك المركزي بملكية الذهب (يبقى مسجلاً كأصل في الميزانية العمومية للاحتياطيات)، ولكنه يتقاضى "معدل فائدة تأجيرية" (Lease Rate) مقابل استغلاله من قبل البنوك الاستثمارية.
• العائد الاقتصادي: يمكن لهذه العمليات أن تولد تدفقات نقدية ضخمة تتجاوز 500 مليون (دولار/دينار) سنوياً (بناءً على أسعار الفائدة وهياكل التمويل المضمونة بالذهب). هذا العائد وحده كفيل بتغطية ما يقارب 50% من الزيادة السنوية في فوائد الدين العام.
• الميزة الاستراتيجية: هذه الآلية تحل عقدة "الخوف من فقدان الذهب"، فهي تحول الذهب من "أصل صامت" إلى "أصل مدر للدخل الجاري" (Yield-Bearing Asset) دون أن يخسر الأردن أونصة واحدة من احتياطيه الفعلي.
هل هناك مخاطر من انخفاض الاحتياطي؟
الخوف التقليدي من المساس باحتياطي الذهب غير مبرر حالياً للأسباب التالية:
1. وسادة أمان ضخمة: الاحتياطيات الأجنبية البالغة 25.5 مليار دولار توفر حماية ممتازة للاقتصاد والدينار الأردني ضد أي صدمات خارجية.
2. تنويع المحفظة: الاعتماد على العملات الصعبة القوية كافٍ لتأمين الاستيراد، وتحويل جزء من الذهب إلى "أصول إنتاجية" هو في حد ذاته تعزيز لقوة الاقتصاد.
الخلاصة:
لقد أثبت البنك المركزي الأردني كفاءة عالية في بناء احتياطيات تاريخية ,الحفاظ على سعر صرف الدينار الأردني، ولكن التحدي في المرحلة المقبلة ليس "جمع المال" بل "إدارة المال". إن الاستمرار في إصدار أدوات دين جديدة لتمويل خدمة الدين القديم هو حلقة مفرغة يجب كسرها.
إن تشغيل احتياطي الذهب عبر بيعه لسداد الديون، أو استثماره في مشاريع سيادية، أو حتى تأجيره في الأسواق العالمية بعوائد نصف ملياريه، لم يعد مجرد خيار تكتيكي، بل هو ضرورة استراتيجية. الاقتصاد الأردني بحاجة لتحريك هذه الأصول الجامدة للعبور من مرحلة "الاستقرار المالي" إلى مرحلة "النمو الاقتصادي الحقيقي".