السعودية .. الشقيقة الكبرى
د. محمد العزة
26-01-2026 02:02 PM
في هذا المقال لسنا بصدد تقديم سردية قائمة لغايات الإشادة أو وضع بنيان محاكمة تاريخية لإصدار أحكام انطباعية تؤدي لأنقسام الآراء (مع أو ضد، يرضي أو يغضب)، ولا نتحدث بالإنابة عن أي طرف من أطراف المعادلة السياسية، لا سيما في هذه الأوقات الحرجة، فكلنا في العروبة همٌّ واحد، هي المرحلة وما تدعونا إليه لاعتماد معايير التقييم الواقعي، واستخدام مفردات توصيف دقيقة وحقيقية لأدوار الدول الشقيقة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، بوصفها إحدى الدول المحورية المؤثرة في القرارين العربي والإسلامي.
لقد عايشت السعودية، شأنها شأن بقية الدول العربية، المراحل السياسية الأصعب قديما وحديثا، على مستوى الداخل العربي والخارج الدولي. وشهدت تداعيات ما سُمّي بالتحولات الديمقراطية، التي لم تخلُ من أحداث عسكرية ملتهبة عابرة للأنظمة، ولا من مخططات التغيير للبنى الجيوسياسية والديمغرافية للمنطقة.
تبادلت خلالها أدوار التأثر والتأثير، قبل أن تنتقل إلى دور المبادر، وهو ما أسهم في تشكيل طبيعة نهجها السياسي الحالي وتوجهات علاقاتها العربية والإقليمية والدولية، التي شهدت تذبذبًا صعودًا وهبوطًا بفعل نتائج تلك المحطات وما أفرزته من صدمات جيوسياسية فرضت إعادة تموضع للمحاور والتحالفات.
خارطة طريق الأحداث غالبًا ما تعكس سلوك الدول وفق حسابات التوازنات والمصالح، قد تُصيب هذه الحسابات أو تُخطئ، وقد تحظى بالقبول أو تواجه الرفض، لكنها في جوهرها تعكس اهتمامات الأخذ بعين الاعتبار ابعاد الأمن القومي، والموقف من القضايا العربية، وتقديم مصالح الدول للحفاظ على ديمومتها واستقرارها، في ظل شبكة علاقات متشعبة تمتد من المحيط إلى الخليج، وتتقاطع مع القوى الدولية الكبرى المؤثرة.
الحديث هنا عن المملكة العربية السعودية، التي لا يجوز اختزال تقييم دورها في البعد الديني فقط، بوصفها مهبط الوحي وموطن قبلة المسلمين الأولى، ولا في البعد الاقتصادي باعتبارها دولة نفط وتمويل، بل يجب النظر إليها أيضًا من زاوية دورها السياسي العربي القومي داخل “لعبة الأمم”. وهذا يستدعي التوقف عند تاريخ مواقفها وأدوارها السياسية العروبية عبر تاريخ الأمة الحديث، منذ نشأة الصراع العربي–الإسرائيلي وتشكّل القضية الفلسطينية ودعمها المتواصل إلى الآن، وما تفرع عنها من تعقيدات انعكست داخل العمق العربي، ولا يمكن إنكار أن السعودية لطالما أدت دور “الشقيقة الكبرى” في محيطها العربي.
وعلى مستوى التعاون السياسي، سجّلت للمملكة مبادرات سياسية متعددة، وأظهرت نهجًا سياسيًا ودبلوماسيًا رصينا، حافظت من خلاله على إرث الدور السعودي في إدارة ملفات وقضايا المنطقة والأمة العربية.
اليوم، وبنهج سياسي متوازن، وفكر استراتيجي واع متقدم منفتح، تخطو السعودية خطوات أكثر حسابًا لاستعادة دورها المؤثر على جميع الأصعدة والمحاور ذات الصلة بالشأن العربي والاقليمي الدولي وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
إن الدول العربية، إذا ما بذلت جهدًا صادقًا، و أعادت توجيه طاقاتها نحو إحياء حالة التضامن العربي كما كانت سابقا أو حتى ضمن تفاهمات المصالح على الأقل، يمكن أن تُحدث فارقًا حقيقيًا في وزن القرار السياسي العربي وتأثيره، لا سيما في ظل الظروف الراهنة وهيمنة القطب الأمريكي الواحد. وهو ما قد يحول دون إضافة دول عربية جديدة إلى قائمة “الخريف العربي” وما حمله من انهيارات وفوضى.
المتابع عن كثب يلمس أن بعض الدول العربية بدأت تعي خطورة المرحلة، وفي مقدمتها السعودية، وتسعى إلى جعل خيار الاستقرار والتكامل خيارا استراتيجيًا، إن لم يكن قدرا تاريخيًا.
ختاما بما يخص العلاقة الأردنية–السعودية تاريخيا اتسمت بشراكة وعمق التنسيق في المواقف، وبالعمل على تضييق الفوارق – إن وجدت – للصالح العام والمصلحة المشتركة، داخل إطار من التضامن والتعاضد، تحكمه شراكة الجغرافيا وتشابك الديمغرافيا، حيث تلتقي الأصول والفروع، تتقاطع أسماء العائلات نتيجة علاقات القربى والنسب، وتتقارب العادات والتقاليد.