المغرب والبلاغ الملكي: ضبط النقاش الوطني وسط الملفات الكبرى
د. آمال جبور
26-01-2026 02:28 PM
أعاد بلاغ الديوان الملكي المغربي، الصادر بعد اختتام كأس إفريقيا للأمم 2026 قبل أيام، ترتيب النقاش العام في المغرب، ليس بسبب كرة القدم فقط، بل لأن ما رافق البطولة تجاوز كرة القدم نفسها، البلاغ لم يقتصر على الشكر والإشادة بنجاح التنظيم، بل جاء ليضع الأمور في سياقها السياسي والوطني، مذكّرًا بوحدة الداخل، وبعمق الانتماء الإفريقي، وبأهمية التعامل بهدوء مع ما رافق البطولة من شدّ وجذب.
في هذا السياق، بدا البلاغ وكأنه دعوة واضحة لعدم الانجرار وراء موجات الاستفزاز التي ظهرت على بعض المنصات الرقمية، سواء تلك المرتبطة بنتائج المباريات، أو بمحاولات زجّ المغرب في قراءات متوترة لعلاقاته مع جواره وامتداده الإفريقي. وهي قراءات خرجت عن سياقها، وتحولت عند البعض إلى أدوات للتشويش وإثارة التوتر، داخليًا وخارجيًا.
ومن بين هذه المحاولات، إعادة إحياء عبارة قديمة للمفكر المغربي عبد الله العروي، جرى اقتطاعها من سياقها وتأويلها بشكل يخدم خطاب الفتنة أكثر مما يخدم النقاش الفكري الجاد، في توقيت لا يحتمل خلط الأوراق ولا يخدم أولويات المرحلة.
في خضم هذا النقاش، جرى تداول عبارة «المغرب جزيرة» التي سبق أن استخدمها المفكر عبد الله العروي، لكن بطريقة أخرجتها تمامًا من سياقها الأصلي. البعض قرأ العبارة وكأنها دعوة للانغلاق أو الابتعاد عن العمق العربي والإفريقي، بينما هي في الأصل لا تقول ذلك لا من قريب ولا من بعيد، ولا تنسجم أصلًا مع فكر العروي ولا مع واقع المغرب اليوم.
هذه العبارة تعود إلى حوار تلفزيوني في بداية الألفية، في مرحلة كان فيها المغرب يعيش وضعًا إقليميًا معقدًا: حدود برية مغلقة، توتر مع بعض دول الجوار، قطيعة مغاربية، ونقاشات حادة مع إسبانيا حول قضايا مثل سبتة ومليلية والسيادة البحرية، إلى جانب انشغاله بملف الصحراء المغربية. في هذا السياق بالضبط، استخدم العروي عبارة «المغرب جزيرة» لوصف وضع جغرافي وسياسي مفروض، وليس للترويج لفكرة العزلة أو القطيعة.
بالتالي، المقصود آنذاك كان توصيف مسار تاريخي طويل جعل للمغرب خصوصيته، منذ العهد السعدي، ومرورًا باختياراته السياسية، وصولًا إلى ابتعاده عن الحكم العثماني، وهو ما جعله، في لحظات معينة، يبدو شبه منفصل عن محيطه العربي المباشر. لكن هذا “الانفصال” لم يكن خيارًا أيديولوجيًا، بل نتيجة تاريخ وجغرافيا وسياسة.
عند العروي، لا يمكن فهم السياسة أو الثقافة خارج سياقها التاريخي. و«الجزيرة» هنا ليست شعارًا ولا موقفًا، بل وصف لتراكم طويل ساهم في بناء دولة تعلّمت أن تشتغل بمنطق الدولة، لا بمنطق العصبيات. وهذا ما يفسّر قدرة المغرب على الصمود والتكيّف مع محيطه، بدل الانغلاق عنه. لذلك، فإن سوء فهم هذه العبارة تجاهل هذا السياق كله، وأغفل حساسية اللحظة السياسية التي يعيشها المغرب اليوم.
إلى أن صدر البلاغ الملكي قبل أيام، من دون أن يدخل في أي نقاش أو يرد على تأويلات محددة، ومنها عبارة العروي. لكنه، ببساطة، فرض حضوره بقوة في النقاش العام، ليس داخل المغرب فقط، بل عربيًا وإفريقيًا أيضًا. البلاغ كان هادئًا وواضحًا في نفس الوقت: لا تصعيد، ولا انجرار للجدل، بل رسالة تهدئة في لحظة حساسة. قدّم المغرب كبلد إفريقي منفتح، واثق من طريقه، يرى أن نجاحه مرتبط بنجاح القارة كلها، وأن الخلافات العارضة لا يجب أن تتحول إلى قطيعة بين الشعوب، فالانفعال يمر، لكن روابط الأخوة الإفريقية تبقى.
سياسيًا، الرسالة كانت ذكية. المغرب، وهو يعزز حضوره في إفريقيا، يحرص أن يظهر كشريك هادئ ومتوازن، لا كطرف متوتر أو منعزل.
وبهذا، قطع الطريق على أي قراءة تحاول تصويره كبلد منغلق أو منفصل عن عمقه الإفريقي. لذلك، من الصعب فهم هذا البلاغ بعيدًا عن السياق السياسي الداخلي الذي يمر به المغرب اليوم، خصوصًا مع مركزية قضية الصحراء المغربية. هذه المرحلة تتطلب تماسكًا داخليًا عاليًا، لأن النقاش حول تنزيل مبادرة الحكم الذاتي يحتاج هدوءًا وانسجامًا، وليس سجالات يمكن أن تُستغل من الخارج، خاصة مع محاولات بعض أطراف النزاع لخلق توترات جانبية أو تعطيل المسار السياسي.
الخطاب الملكي جاء، كعادته، هادئًا لكنه حاسم، وركّز على وعي المغاربة باعتباره خط الدفاع الأول ضد محاولات التفرقة. وهذا التماسك لا يخص فقط ملف الصحراء، بل يرتبط أيضًا باستحقاق عالمي كبير، هو استضافة كأس العالم 2030. فالتحضير لهذا الحدث لا يتعلق بالملاعب والبنية التحتية فقط، بل يحتاج خطابًا سياسيًا متزنًا، وعلاقات إقليمية محسوبة، ونقاشًا داخليًا مسؤولًا، حتى يظهر المغرب كدولة مستقرة ومنفتحة وقادرة على إدارة ملفاتها بهدوء.
بهذا المعنى، يعكس البلاغ الملكي فكرة “المغرب الصاعد”، التي سبق أن أشار إليها الملك في خطاب سابق، من خلال ضبط النقاش العام، والتركيز على القضايا الكبرى، والتأكيد على أن الانفتاح على إفريقيا، والاستقرار الداخلي، وإدارة الخلافات بعقلانية، تشكّل أساسًا لتعزيز موقع المغرب إقليميًا ودوليًا، من دون ضجيج أو انفعال.