طريق الأردن نحو أمن صحي مستدام
د. طارق مقطش
26-01-2026 07:44 PM
حين نتحدث عن التحديث الاقتصادي، فإننا لا نتحدث عن أرقام ونمو فحسب، بل عن حياة يومية مستقرة يشعر فيها المواطن بالأمان، وتعمل فيها المؤسسات دون انقطاع، ويظل الاقتصاد قادرًا على الإنتاج مهما تبدلت الظروف. من هنا، لم تعد الصحة العامة في الأردن شأنًا خدميًا يقتصر على العيادة والمستشفى، بل أصبحت ركيزة من ركائز الدولة الحديثة، وعاملًا مباشرًا في استقرار المجتمع وصلابة الاقتصاد. ورؤية التحديث الاقتصادي تربط بوضوح بين النمو المتسارع وتحسين جودة الحياة، ما يعني أن صحة المواطن ليست نتيجة جانبية للتنمية، بل شرطٌ لنجاحها.
فالاقتصاد لا يزدهر إذا تعطلت الأعمال بسبب موجات مرضية، أو ارتفعت كلفة العلاج، أو تراجعت الثقة نتيجة أزمات متكررة تؤثر في التعليم والسياحة والتجارة وسلاسل الإمداد. لذلك يصبح الاستثمار في الوقاية والتحري الصحي والاستجابة السريعة استثمارًا اقتصاديًا بامتياز: يقلل الخسائر، ويرفع الإنتاجية، ويحسن كفاءة الإنفاق العام.
غير أن تحديات اليوم لم تعد أحادية المصدر؛ فكثير منها يبدأ خارج القطاع الصحي، على امتداد سلسلة تصل الإنسان بالغذاء والمياه والبيئة وصحة الحيوان. وهنا يبرز نهج «الصحة الواحدة» باعتباره الامتداد الطبيعي للصحة العامة الحديثة، لأنه ينطلق من حقيقة أن صحة الإنسان والحيوان والبيئة منظومة مترابطة. فسلامة الغذاء تبدأ من المزرعة والممارسات البيطرية والزراعية، مرورًا بالنقل وسلاسل التبريد والتداول والرقابة. وجودة المياه تتأثر بإدارة الموارد والملوثات والبنية التحتية. وانتشار النواقل يرتبط بالبيئة وإدارة النفايات وتغير المناخ. وحتى مقاومة المضادات الحيوية تتجاوز وصف الدواء إلى الاستخدام في الإنسان والحيوان وتنظيم السوق والرقابة والتوعية.
الأمن الصحي الوطني، بهذا المعنى، هو قدرة الدولة على منع التهديدات قبل وقوعها، والكشف عنها مبكرًا، والاستجابة لها بسرعة وفعالية، ثم التعافي مع التعلم والتطوير. وهذا يتطلب تنسيقًا مؤسسيًا ثابتًا بين قطاعات الصحة والزراعة والبيئة والمياه وسلامة الغذاء والبلديات والمعابر والبحث العلمي، وتحريًا صحيًا متعدد المصادر، وشبكات مختبرات ومعايير جودة وتبادل بيانات يسرّع القرار، وتواصلًا مخاطريًا يعزز الثقة ويحد من الشائعات.
إن طريق الأردن نحو أمن صحي مستدام هو جزء من طريق التحديث نفسه: صحةٌ تحمي الإنسان، ومنظومةٌ تحمي الاقتصاد، وجودةُ حياةٍ تليق بالأردنيين.