صرخة سبقت الفاجعة: كيف انتهى تحذير زينة بمأساتها؟
م. وائل سامي السماعين
27-01-2026 01:23 AM
لم تكن رسالة المحامية الراحلة زينة المجالي عن مسلسل «سلمى» مجرد تعليق عابر على عمل درامي، بل كانت تحذيراً اجتماعياً واضحاً من خطر نعيشه في مجتمعنا ونتعامل معه باستخفاف: المرض النفسي حين يُقابَل بالشفقة والتبرير بدل العلاج، قد يتحول إلى تهديد حقيقي على الجميع.
ففي منشور لها على صفحتها في فيسبوك بتاريخ 19 أيلول 2025، كتبت زينة المجالي عن شخصية «ميرنا» في المسلسل، مؤكدة أن هذه الشخصية ليست خيالية، بل موجودة في واقعنا اليومي.
وقالت بنص واضح:“شخصية ميرنا بمسلسل سلمى كلنا عنا منها بحياتنا الشخصية… الشخصية السامة والمريضة نفسياً، اللي بتأذي غيرها عشان تنبسط. بس لو نركّز شوي بنشوف إنو ميرنا بحاجة لعلاج، وإنو اللي حواليها بكل مرة يوقفوا معها بدل ما يعالجوها ويطبّطوا عليها.”
ثم أضافت:“لما نشوف تصرّفات غريبة ومؤذية، العلاج مش عيب، بس لازم نوقف الأذى قبل ما يكبر.”
هذا الكلام لم يكن رأياً فنياً، بل رسالة مجتمعية صريحة تدعو إلى الاعتراف بأن المرض النفسي حالة طبية تحتاج إلى تدخل مهني، لا إلى إدارة عاطفية مؤقتة. كانت زينة المجالي تقول بوضوح إن التعاطف غير المنظَّم قد يتحول، من حيث لا نقصد، إلى عامل يزيد من الخطر بدل أن يخففه.
المؤلم أن هذا التحذير لم يبقَ في إطار التحليل الاجتماعي، بل تحوّل إلى واقع مأساوي. فقد قُتلت زينة المجالي يوم الأحد الموافق 26/1/2026 على يد شقيقها الذي تشير المعلومات المتداولة إلى أنه كان يعاني من تعاطي المخدرات واضطرابات نفسية. هذه الحادثة لم تكن مأساة عائلية فقط، بل كانت فاجعة هزّت المجتمع الأردني بأكمله، وطرحت أسئلة قاسية حول قدرتنا كمجتمع ومؤسسات على حماية الأفراد قبل أن يصل الخطر إلى هذه النهاية المؤلمة.
وفي هذا السياق، لا يمكن التعامل مع ما حدث كحادث فردي معزول، بل كإنذار وطني جديد يؤكد أن الإهمال في التعامل مع المرض النفسي والإدمان لم يعد قضية خاصة داخل البيوت، بل قضية أمن اجتماعي تمس استقرار الأسر وسلامة المجتمع ككل.
تعاطي المخدرات في كثير من الحالات لا يأتي وحده، بل يرتبط باضطرابات نفسية غير مشخصة أو غير معالجة: اكتئاب، اندفاعية، اضطرابات سلوكية، أو فقدان السيطرة على التصرفات. وعندما لا تتوفر منظومة فعالة للفحص المبكر والعلاج والمتابعة، يصبح المجتمع كله مكشوفاً أمام نتائج قد تكون مدمّرة، ليس لشخص واحد فقط، بل لأسر كاملة.
وفي مثل هذه الحالات، من الطبيعي أن تلعب الأطر المجتمعية دوراً داعماً إلى جانب الدور الصحي، من خلال تدخل وجهاء العائلة وأصحاب الحكمة والتأثير الاجتماعي للمساعدة في احتواء الأزمة وتشجيع التوجه نحو العلاج، خاصة في ظل ضعف المؤسسات المتخصصة وغياب آليات تدخل سريعة ومنظمة في قضايا المرض النفسي والإدمان. هذا الدور المجتمعي ليس بديلاً عن الطب، لكنه قد يكون جسراً ضرورياً عندما تتأخر القنوات الرسمية.
المشكلة ليست في نوايا الناس، فغالباً ما يكون التعاطف صادقاً، لكن التعاطف وحده لا يكفي عندما يكون هناك مرض يحتاج إلى تشخيص وعلاج. الرحمة الحقيقية ليست في الصمت، بل في فتح أبواب العلاج والدعم قبل أن تتفاقم الحالة وتخرج عن السيطرة.
ومن زاوية السياسات العامة، لا يمكن الاستمرار في اعتبار الصحة النفسية ملفاً ثانوياً. إذا كنا نخصص ميزانيات كبيرة للبنية التحتية والمشاريع العمرانية، فمن غير المقبول أن تبقى خدمات الصحة النفسية محدودة، وأن تكون مراكز علاج الإدمان قليلة أو بعيدة عن الناس أو مثقلة بالإجراءات. الصحة النفسية ليست ترفاً، بل ركيزة أساسية من ركائز الأمن المجتمعي.
نحن بحاجة إلى سياسة وطنية واضحة تشمل:
• توسيع المستشفيات الحكومية المتخصصة بالصحة النفسية في جميع المحافظات.
• إنشاء مراكز علاج إدمان متكاملة وسهلة الوصول.
• برامج فحص ودعم نفسي مبكر في المدارس والجامعات.
• تدريب الكوادر الاجتماعية والطبية على التدخل السريع.
• شراكة حقيقية بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المحلي ووجهاء المناطق.
رحم الله زينة المجالي، ولتكن رسالتها على فيسبوك، وكلماتها عن «ميرنا» في «سلمى»، جرس إنذار وطني لا يُنسى. لقد قالت بوضوح إن هذه النماذج “موجودة بيننا”، وإن تجاهل العلاج قد يقود إلى أذى حقيقي. الرسالة كانت واضحة، وما نحتاجه اليوم هو أن تتحول هذه الكلمات إلى سياسات وإجراءات قبل أن نقرأ فاجعة جديدة تهزّ المجتمع مرة أخرى.
الرسالة للمجتمع والدولة معاً: المرض النفسي يُعالج ولا يُدار بالصمت، وكذلك الإدمان وتعاطي المخدرات ليسا انحرافاً أخلاقياً فقط، بل حالة صحية خطرة تتطلب علاجاً متخصصاً وتدخلاً مبكراً. ترك المدمن دون علاج حقيقي لا يهدده وحده، بل يهدد من حوله ويضع المجتمع كله أمام مخاطر لا يمكن تبريرها أو تجاهلها. حماية الإنسان تبدأ بالاعتراف بالمشكلة، وبفتح أبواب العلاج قبل أن تتحول المعاناة إلى فاجعة وطنية جديدة.
waelsamain@gmail.com