إيران عند مفترق النظام الإقليمي
صالح الشرّاب العبادي
27-01-2026 08:54 AM
من مشروع القوة الإقليمية إلى: الإذعان الكلي بلا شروط أو الحسم النهائي
سيناريوهات المواجهة المحتملة
ما يجري في الشرق الأوسط اليوم لا يمكن قراءته كتصعيد عسكري تقليدي، ولا كأزمة سياسية عابرة، بل كجزء من عملية إعادة هندسة شاملة للنظام الإقليمي، في إطار تحولات دولية أوسع تمس بنية النظام العالمي نفسه.
التحرك العسكري الأميركي غير المسبوق، بتكامله الجوي والبحري والفضائي واللوجستي والاستخباري، لا يعكس “نية ضربة” فقط، بل يعكس انتقال المنطقة إلى مرحلة بناء القدرة على الحسم كخيار سياسي جاهز، يُستخدم كأداة لإعادة تشكيل التوازنات، لا مجرد الردع.
إيران لم تعد تُقرأ كخصم تقليدي، بل كـ عقدة نظامية داخل المعادلة الإقليمية:
عقدة نفوذ، عقدة توازن، عقدة ردع، وعقدة تعطيل لمسار الهيمنة الأحادية.
التحول في الموقع الاستراتيجي الإيراني
بعد حرب غزة، تشكّل واقع جديد:
لم تُنتج إيران أثرًا عسكريًا حاسمًا مباشرًا.
“وحدة الساحات” بقيت في إطار الضغط السياسي–الأمني لا الكسر العسكري.
الأذرع الإقليمية لم تُحدث تغييرًا استراتيجيًا في ميزان القوى مع إسرائيل.
الردود الإيرانية المباشرة اتسمت بالحساب لا بالمبادرة.
الاغتيالات داخل العمق الإيراني والإقليمي لم تُقابل بردع متماثل.
هذا الواقع أنتج تحولًا عميقًا في العقيدة الواقعية الإيرانية: من مشروع “إدارة الإقليم” إلى مشروع “حماية الدولة”.
أي الانتقال من عقلية القوة التوسعية إلى عقلية البقاء داخل النظام الإقليمي الجديد.
فالهدف الإيراني لم يعد توسيع النفوذ، بل أصبح الحفاظ على الكيان، والحفاظ على الدولة، والحفاظ على النظام، وإيجاد موطئ قدم داخل الترتيب الإقليمي القادم، حتى ولو عبر تنازلات استراتيجية مؤلمة، كلية وشاملة.
نهاية الدور الوظيفي لإيران الخمينية
إيران الخمينية، بصيغتها التي تشكّلت بعد الثورة، ليست نتاجًا معزولًا عن النظام الدولي، بل هي – في جانب من تشكّلها – نتاج هندسة توازنات دولية وإقليمية سمحت بوجودها كقوة وظيفية ضمن معادلة ضبط الإقليم، وكعنصر توتر مُدار داخل النظام العالمي.
غير أن هذا الدور بلغ نهاياته الطبيعية. فإيران لم تعد مجرد “قوة إزعاج”، بل تحوّلت إلى قوة ردع فعلية تمتلك أدوات تأثير عابرة للحدود، وقدرة على مزاحمة إسرائيل في المجال الأمني والردعي الإقليمي، وهو خط أحمر استراتيجي لا يمكن للنظام الغربي–الإسرائيلي القبول به.
العداء التقليدي بين إيران وإسرائيل لم يعد صراع سرديات، بل بات تصادم نفوذ فعلي داخل بنية التوازن الإقليمي، خصوصًا في ظل نشوء علاقات علنية واستراتيجية بين إسرائيل ودول إقليمية أصبحت ترى في إيران تهديدها الأول، لا إسرائيل.
ومع ذلك، وبعد أن “راحت السكرة وجاءت الفكرة”، بدأت مقاربة أكثر برودة تتشكل داخل مراكز القرار الكبرى: أن إيران المنكمشة، المُحاصَرة، الضعيفة نسبيًا، المتراجعة الدور، قد تكون – استراتيجيًا – أقل كلفة من تفجيرها أو إسقاطها أو إدخالها في فوضى شاملة يصعب احتواؤها.
فالفوضى الإيرانية ليست محلية الأثر، بل زلزالية إقليمية، ممتدة عبر الطاقة، واللاجئين، والأمن، والحدود، والتوازنات، والأسواق.
وهنا يتبلور التحول الجوهري: الانتقال من منطق “إسقاط إيران” إلى منطق “تحجيم إيران”، ومن تفكيك الدولة إلى إعادة هندسة دورها داخل النظام الإقليمي الجديد، كقوة منكمشة لا كقطب مزاحِم.
طبيعة التحرك الأمريكي – من الردع إلى امتلاك خيار الحسم
التحرك الأميركي الحالي يتميّز بخمس خصائص مركزية:
شمولية القوة (جوية، بحرية، فضائية، لوجستية، استخبارية – عمل مشترك كلي حاسم).
تكامل العمليات متعددة المجالات.
بناء مسرح عمليات طويل النفس.
محاكاة الضربة والرد في المناورات الجارية.
توازي الدبلوماسية مع الجاهزية العسكرية.
هذا النموذج لا يُبنى من أجل الردع الرمزي، بل من أجل امتلاك خيار الحرب الشاملة كأداة سياسية جاهزة للاستخدام. الجاهزية لا تعني القرار، لكنها شرطه الأول.
ورقة “التسوية القسرية”
المطالب المطروحة على إيران ليست تقنية بل وجودية:
إنهاء البرنامج النووي نهائيًا.
تفكيك الصواريخ الباليستية.
إنهاء القدرات العابرة للحدود.
تصفية الأذرع الإقليمية وإنهاء التعاون الصفي معها.
تحرير النفط.
إعادة هندسة الداخل السياسي.
هذه ليست تسوية… بل إعادة تشكيل دولة.
السيناريوهات المتوقعة
السيناريو القائم حاليًا ليس الحرب المباشرة، بل الاستنزاف الطويل: تصعيد محدود، ردود محسوبة، احتكاكات غير مباشرة، توترات إقليمية، وضغط اقتصادي ممتد. نموذج صراع بلا نهاية واضحة، وبلا نصر حاسم، وبلا هزيمة معلنة.
الأخطر من ذلك أن المواجهة لم تعد عسكرية فقط، بل تحولت إلى صراع على هندسة المنطقة: من يحدد أمن الخليج؟ من يرسم خرائط النفوذ؟ من يتحكم بممرات الطاقة والتجارة؟ هنا يصبح الصراع جزءًا من إعادة تشكيل النظام الإقليمي، لا مجرد خلاف سياسي بين دولتين.
تتراوح سيناريوهات المواجهة بين أنماط مختلفة من القوة والوظيفة السياسية والاستراتيجية، تبدأ من ضربة شلّ جزئية محدودة، دقيقة، معلنة للعالم، وغير معلن ردّها المبطن، ومباغتة، لا تستهدف التدمير الشامل بقدر ما تهدف إلى إحداث شلل مؤقت في القدرات، وكسر الإرادة السياسية، وفرض منطق التفاوض من موقع ضعف، بما يؤدي تدريجيًا إلى ما يمكن تسميته بـ “إذعان استراتيجي تراكمي”.
هذا النمط من الضربات يُعد الأقل كلفة، والأكثر قابلية للإدارة والتحكم بالتصعيد، لأنه يقوم على هندسة الضغط لا على تفجير الصراع، وعلى إعادة تشكيل القرار السياسي أكثر من تدمير البنية الصلبة للدولة.
في المقابل، يظهر سيناريو أكثر خطورة يتمثل في ضربة بنيوية واسعة تستهدف البنية العسكرية بشكل شامل، من القواعد والدفاعات الجوية إلى الصواريخ والمفاعلات ومراكز القيادة والسيطرة، وضرب مخابئ ومواقع القيادة دون اغتيالها، وهو سيناريو لا يفتح فقط باب الرد الإيراني العنيف، بل يستدعي دخول الأذرع الإقليمية على خط المواجهة، ويدفع المنطقة نحو اضطراب شامل، يهدد أمن الطاقة، ويولّد حالة من الفوضى الاستراتيجية غير القابلة للضبط أو الاحتواء، حيث تتحول المعركة من عملية عسكرية محدودة الأهداف إلى مسرح إقليمي مفتوح على جميع الاحتمالات.
أما السيناريو الأخطر، فهو الضربة الشاملة النهائية التي تتجاوز منطق الردع والعقاب إلى منطق التفكيك وإعادة التشكيل وتهديد القيادة بالإنهاء، عبر تفجير الداخل، وإحداث انهيار بنيوي للنظام، وإعادة تشكيل إيران سياسيًا وجغرافيًا، بما يقود إلى حرب إقليمية كبرى، وصراع داخلي واسع، ونزوح ملايين البشر، وتفكك في بنية الإقليم نفسه، واستدعاء تدخل دولي مباشر، بما يُنتج زلزالًا جيوسياسيًا عالميًا يعيد رسم خرائط النفوذ والقوة في الشرق الأوسط والعالم، عنيفًا، هائلًا، غير قابل للتوقع في اتجاهاته أو أهدافه، قبل أن يخفت تدريجيًا بفعل كلفة التدمير الهائلة.
غير أن أيًّا من هذه السيناريوهات، مهما كان حجمه أو شكله، لن يبدأ بضربة عسكرية تقليدية مباشرة، بل سيسبق بمرحلة تمهيدية من الحرب غير المرئية، حيث تُخاض المعركة في الفضاء السيبراني، وتُعطَّل الشبكات، وتُشلّ الاتصالات، وتُدار حروب المعلومات، وتُنفّذ العمليات النفسية، وتُفَعَّل الاختراقات الداخلية، ويُحرَّك الداخل الاجتماعي والسياسي، وتُضرب الثقة بالقيادة، وتُربك البنية الإدارية والأمنية للدولة، في إطار طور أول من أطوار الحرب الحديثة، حيث يصبح العقل والبنية والنظام – قبل الجغرافيا والحدود – هو الهدف الحقيقي للصراع.
التقييم الاستراتيجي
من الخطأ في القراءة الشائعة البحث عن “لحظة الانفجار”، بينما الحقيقة أن المواجهة قائمة أصلًا، لكنها مجزأة، موزعة، ومؤجلة الانفجار.
واشنطن لا تريد حربًا شاملة مع طهران، لأنها تعلم أن كلفتها ستكون استراتيجية لا عسكرية فقط، وستعيد تشكيل المنطقة بطريقة لا يمكن التحكم بمساراتها. وفي المقابل، تدرك إيران أن أي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة ليست معركة حدود، بل معركة وجود دولة ونظام.
لهذا يتحرك الطرفان بمنطق إدارة الصراع لا حسمه.
أمريكا تسعى إلى تحجيم الدور الإيراني لا إسقاط النظام، وتفكيك النفوذ لا تدمير الدولة، وإيران تبني استراتيجيتها على تفتيت ساحة الاشتباك، ونقل الصراع إلى الأطراف، وتوزيع الضغط عبر الجغرافيا، حتى لا يصبح الاشتباك مركزيًا مع طهران نفسها.
نحن أمام مفترق:
إذعان استراتيجي إيراني تدريجي (احتلال اقتصادي وسياسي).
أو انتقال من الردع إلى التنفيذ الحاسم المحسوب بدقة.
ما يجري ليس تصعيدًا عابرًا، بل إعادة هندسة للنظام الإقليمي.
إيران لم تعد تُواجه كخصم، بل كعقدة توازن يجب تفكيكها أو إعادة تعريف دورها.
التحرك العسكري ليس هدفًا بذاته، بل أداة سياسية لفرض ترتيب جديد.
نحن لا نعيش لحظة حرب فقط، بل لحظة إعادة تشكيل نظام، وإيران لم تعد مشروع قوة، بل أصبحت سؤال بقاء داخل الشرق الأوسط الجديد، بصيغة مختلفة، وتهيئة غربية من نوع آخر.
التدخلات والمفاوضات ودول الوساطة تُسارع الزمن من اتجاهين:
الضغط على إيران للقبول الكلي دون قيد أو شرط.
وتجنب الاحتمالات الكارثية بالحماية الأمريكية إذا حانت ساعة الصفر