بين ناتو خليجي وعربي .. الخليج يبحث عن أمنه
د. محمد بني سلامة
16-03-2026 02:37 AM
في الشرق الأوسط، لا تنقصنا الأفكار الكبيرة ولا العناوين الضخمة. كلما تصاعد التوتر في المنطقة، خرج علينا مصطلح جديد: ناتو خليجي، ناتو عربي، ناتو إسلامي… وكأن الأمن يمكن استيراده جاهزاً مثل صفقة سلاح أو مشروع استثماري. غير أن الحقيقة أبسط – وربما أكثر سخرية – مما تبدو عليه هذه العناوين اللامعة: المنطقة لا تعاني من نقص في التحالفات المقترحة، بل من فقدان البوصلة الاستراتيجية.
لقد أمضت دول الخليج عقوداً تبني نموذجاً اقتصادياً قائماً على الاستقرار والانفتاح والاستثمار العالمي. مدن حديثة، صناديق سيادية عملاقة، وخطط تحول اقتصادي طموحة. لكن هذا النموذج كان يقوم على معادلة بسيطة: الأمن تتكفل به المظلة الأمريكية، والاقتصاد يتكفل بالباقي.
غير أن التحولات الإقليمية، والتوتر المتكرر مع إيران، والاهتزازات المتزايدة في النظام الدولي، كشفت حقيقة لا يمكن تجاهلها: الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية ليس استراتيجية دائمة.
لقد اعتادت دول الخليج خلال العقود الماضية على ثلاث ركائز أساسية لضمان أمنها: المظلة الأمنية الأمريكية، والردع العسكري، والانخراط العميق في الاقتصاد العالمي. لكن المواجهة الأخيرة بين ايران من جهة وامريكا واسرائيل من جهة اخرى ، أظهرت أن هذه الركائز، رغم أهميتها، قد لا تكون كافية دائماً لاحتواء الأزمات أو منع الانفجارات الجيوسياسية في منطقة شديدة الحساسية مثل الخليج.
ومن هنا بدأت الأسئلة الصعبة تفرض نفسها:
هل يمكن الاستمرار في الاعتماد على الحماية الغربية كما كان الحال في الماضي؟
هل تستطيع دول الخليج بناء منظومة أمنية أكثر استقلالاً؟
وهل يمكن إدارة العلاقة مع إيران بطريقة مختلفة عن منطق المواجهة الدائمة؟
لكن بدلاً من الإجابة عن هذه الأسئلة، يبدو أن المنطقة تلجأ أحياناً إلى الحل الأسهل: اختراع اسم جديد لتحالف جديد. وهكذا يتحول النقاش إلى منافسة لغوية بين “ناتو خليجي” و“ناتو عربي”، و"ناتو امريكي "، وكأن المشكلة في الاسم لا في الرؤية.
الحقيقة أن العقبة الأساسية أمام أي تحالف عسكري حقيقي في الخليج ليست نقص الإمكانات، بل اختلاف الأولويات بين دول المنطقة نفسها. فبعض الدول ترى في إيران التهديد الأول الذي يجب مواجهته بكل الوسائل، بينما تميل دول أخرى إلى سياسة أكثر براغماتية تقوم على التهدئة والحوار وتجنب الانزلاق إلى صراع مفتوح.
وفي ظل هذا التباين يصبح الحديث عن تحالف عسكري شبيه بحلف شمال الأطلسي أقرب إلى الطموح النظري منه إلى المشروع الواقعي.
غير أن الدرس الأهم الذي تفرضه التحولات الإقليمية اليوم هو أن الخليج لا يستطيع الاستمرار في التفكير الأمني بنفس الطريقة التي سادت خلال العقود الماضية. فالعالم يتغير، ومراكز القوة تتحول، والتحالفات لم تعد ثابتة كما كانت.
وهذا يفرض على دول الخليج التفكير بجدية في إعادة ترتيب شبكة علاقاتها الإقليمية، ليس فقط مع القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة أو الصين، بل أيضاً مع محيطها العربي المباشر.
فالأردن ومصر وسوريا والعراق ليست مجرد دول مجاورة في الخريطة، بل تشكل عمقاً استراتيجياً مهماً لأي نظام إقليمي مستقر في الشرق الأوسط. والتعاون مع هذه الدول يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة لبناء توازنات أمنية أكثر واقعية واستدامة.
أما العلاقة مع إيران، رغم تعقيداتها التاريخية والسياسية، فلا يمكن تجاهلها في أي تصور جدي لأمن الخليج. فالجغرافيا لا يمكن تغييرها، والسياسة الحكيمة لا تقوم على إنكار الحقائق بل على إدارتها.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام دول الخليج اليوم ليس اختيار اسم لتحالف جديد، بل إعادة التفكير في مجمل السياسات التي اتبعتها خلال العقود الماضية: من طبيعة تحالفاتها العسكرية وعقيدتها القتالية ، إلى أولوياتها الاقتصادية، إلى شكل علاقاتها الإقليمية.
فالأمن لا يُبنى بالشعارات، ولا يتحقق عبر نسخ نماذج جاهزة من تجارب الآخرين. الأمن الحقيقي يولد من فهم عميق لمصالح المنطقة وتوازناتها.
وفي نهاية المطاف، قد تكتشف دول الخليج أن الطريق إلى الاستقرار لا يمر عبر “ناتو” جديد، بل عبر بوصلة استراتيجية جديدة تعيد رسم خريطة العلاقات في الشرق الأوسط على أسس أكثر واقعية وتوازناً.