الرسالة الملكية: حين تتحوّل الرؤية إلى عقيدة دولة
الدكتور زياد نواف الدويري
27-01-2026 11:56 PM
جاءت الرسالة الملكية السامية التي وجّهها جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة، كوثيقة وطنية رفيعة المستوى، تتجاوز في مضامينها البعد العسكري المباشر، لتشكّل إعلاناً واضحاً عن مرحلة جديدة من التفكير الاستراتيجي العميق في بناء القوة الوطنية الشاملة، وترسيخ مكانة الأردن كدولة مؤسسات، تخطط للمستقبل بثقة ووعي ومسؤولية.
إن هذه الرسالة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي بالغ التعقيد، حيث تتسارع التحولات الجيوسياسية، وتتبدل مفاهيم الأمن والدفاع، وتتقدم التكنولوجيا لتصبح عاملاً حاسماً في موازين القوة. وفي هذا الإطار، تتجلى الرؤية الملكية الاستشرافية التي تضع القوات المسلحة الأردنية في قلب مشروع وطني متكامل، قوامه التحديث، والمرونة، والكفاءة، والجاهزية المستدامة.
لقد أكد جلالة الملك، من خلال هذه الرسالة، أن الجيش العربي ليس مجرد قوة دفاعية تقليدية، بل مؤسسة وطنية استراتيجية، تحمل إرثاً تاريخياً مشرّفاً، وتضطلع بدور محوري في حماية أمن الوطن واستقراره، وصون سيادته، والمساهمة الفاعلة في حفظ الأمن الإقليمي والدولي. وجاء التقدير الملكي الصريح لمنتسبي القوات المسلحة تعبيراً صادقاً عن الثقة العالية بقدراتهم، وإيماناً راسخاً بأن الإنسان الأردني هو حجر الأساس في أي عملية تطوير أو تحديث.
وتكمن الأهمية الجوهرية لهذه الرسالة في كونها خارطة طريق واضحة المعالم لإعادة الهيكلة والتحول البنيوي المدروس للقوات المسلحة، ضمن إطار زمني محدد ورؤية استراتيجية شاملة. فهي دعوة صريحة للانتقال من أنماط تقليدية في التنظيم والتفكير، إلى نموذج عسكري حديث، أكثر رشاقة وكفاءة، قادر على الاستجابة السريعة، والعمل بفعالية في بيئات عمليات معقدة ومتغيرة.
كما تعكس الرسالة فهماً ملكياً عميقاً لطبيعة الحروب الحديثة، التي لم تعد تعتمد على القوة الصلبة وحدها، بل على التكامل بين المعرفة والتكنولوجيا والابتكار. فقد شدد جلالته على أهمية تطوير أنظمة القيادة والسيطرة، وتعزيز قدرات الأمن السيبراني، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والطائرات غير المأهولة، ومجالات البحث والتطوير، بما يضمن تفوقاً نوعياً، ويعزز القدرة على اتخاذ القرار الدقيق في الزمن المناسب.
ولا يقل بعد الرسالة الإداري والمؤسسي أهمية عن بعدها العسكري، إذ تؤكد على ضرورة ترسيخ مفاهيم الحوكمة الرشيدة، والتخطيط الاستراتيجي، وتحديث البنى التنظيمية والاستثمارية المرتبطة بالقوات المسلحة، بما ينسجم مع أفضل الممارسات العالمية، ويضمن الاستخدام الأمثل للموارد، ويعزز الاستدامة والكفاءة.
إن الرسالة الملكية السامية تحمل في جوهرها إيماناً راسخاً بأن أمن الأردن لا يُبنى بردود الأفعال، بل بالرؤية المسبقة، والتخطيط طويل الأمد، والاستثمار الذكي في الإنسان والتقنية. وهي رسالة ثقة بالمستقبل، ورسالة طمأنينة للأردنيين، ورسالة حزم لكل من يحاول المساس بأمن هذا الوطن أو استقراره.
وفي المحصلة، فإن هذه الرسالة تمثل نموذجاً متقدماً للقيادة الحكيمة، التي تجمع بين الواقعية والطموح، وبين الاعتزاز بالإرث والانفتاح على المستقبل. قيادة تدرك أن قوة الدولة من قوة مؤسساتها، وأن الجيش القوي هو انعكاس لدولة قوية، واعية، متماسكة.
حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبد الله الثاني، وبارك في جيشنا العربي المصطفوي، ليبقى كما أراده قائده: سيف الوطن ودرعه، وعنوان عزته ومنعته، اليوم وغداً وإلى الأبد.