دور الإعلام في مساندة قضايا الدولة (1-2)
سارة طالب السهيل
28-01-2026 12:35 AM
يُعدّ الإعلام المحلي أحد الأعمدة الأساسية في بناء الوعي العام وتعزيز الاستقرار المجتمعي. لا يقتصر دوره على نقل الأخبار، بل يتجاوز ذلك ليكون حلقة وصل حيوية بين الدولة والمجتمع. في عالم تتدفق فيه المعلومات من كل اتجاه، وتُنسج الشائعات، تبرز الحاجة إلى إعلام محلي رصين، لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يغوص في أعماقها لشرح السياسات وتفسير القرارات ووضع القضايا الوطنية في سياقها الصحيح. هذا الدور التفسيري هو ما يميز الإعلام المسؤول، الذي يطمح إلى توصيل المعلومة بدقة ووضوح، بحيث تصل إلى كل بيت وتُفهم من قبل جميع أفراد المجتمع، بغض النظر عن اختلافاتهم الثقافية أو العلمية.
ومن منطلق متابعتنا اليومية لما يعرض من برامج وما يتم تداوله عبر مواقع المنصات الإعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي وما يُنشر بالصحف والمجلات وما يتم تداوله عبر المنصات الإعلامية المختلفة، نلمس بوضوح حجم الالتباس الذي قد يصيب المواطن العادي عند غياب الشرح الوافي أو التفسير المبسّط. فكثيرًا ما تتحول المعلومة، رغم صحتها، إلى مصدر قلق أو سوء فهم فقط لأنها قُدمت بلغة بعيدة عن الناس أو دون ربطها بواقعهم المعيشي خاصة إذا كانت المعلومة تحمل قرارات جديدة أو قوانين محدثة أو مواقف اتجاه أحداث محلية أو دولية أو الضغوطات التي تواجهنا وخلالها كل هذا الذي يصبح أحيانا مصيدة للأعداء من الممكن أن تقطع عليهم الطريق، وذلك عبر التفسير المباشر والمفصل.
وأنا أدرك تماما أن هناك بعض القضايا التي لا ينبغي تفسيرها للعامة ولأسباب كثيرة، وهذا مفهوم جدا لدى كل من يفهم بالسياسة والدبلوماسية.
وبالعودة إلى الإعلام الذي طالما كان الجسر الذي يربط بين صانع القرار والمواطن. وهو بقربه من الناس وإدراكه لهمومهم اليومية ولهجتهم المحلية، يتمتع بميزة فريدة في نقل هموم المجتمع لأصحاب القرار، وفي المقابل، شرح القضايا الوطنية بلغة مألوفة وحميمة. فهو لا يخاطب المواطن ككيان مجرد، بل كشريك في الواقع المعيشي نفسه. عندما تصدر الدولة قرارًا اقتصاديًا جديدًا أو تشريعًا اجتماعيًا هامًا، يكون نجاح هذا القرار رهينًا بمدى فهم الناس له وقبولهم له. وهنا يأتي الدور الحقيقي لهذه المنظومة الإعلامية: تحويل القرار من نص مكتوب إلى فكرة مفهومة، مرتبطة بمصلحة الأسرة في معيشتها، والطالب في تعليمه، والتاجر في رزقه.
ولعل التجربة تثبت أن المواطن لا يطلب من الإعلام الوضوح. فحين يشعر أن الخطاب الإعلامي يقترب من أسئلته الحقيقية، ويعبّر عمّا يدور في ذهنه، تنشأ علاقة ثقة تلقائية تجعله أكثر تقبلًا للقرارات وأكثر استعدادًا للتفاعل الإيجابي معها.
ومن واقع الملاحظة، فإن أكثر ما يضعف أثر الرسالة الإعلامية هو الاكتفاء بالتصريحات الجافة أو العناوين المختصرة التي لا تجيب عن أسئلة الناس الحقيقية: لماذا؟ وكيف؟ وماذا يعني هذا لي؟ هذه الأسئلة البسيطة، حين تُهمَل، تفتح الباب أمام التأويل والشائعات مهما كانت النوايا حسنة.
ولتحقيق هذا الهدف، لا بد لهذا الإعلام من أن يخاطب جميع شرائح المجتمع بمستوياتها الثقافية والتعليمية المتفاوتة. التحدي هنا ليس في تبسيط المعلومة فحسب، بل في تبسيطها دون تسطيح، وفي نقل الجوهر دون تشويه. يمكن تحقيق ذلك عبر استخدام لغة عربية واضحة وسلسة، بعيدة عن التعقيدات الاصطلاحية، مع الاستعانة بأمثلة واقعية قريبة من حياة الناس. كما يمكن توظيف الرسوم التوضيحية والتقارير الميدانية المصورة والمقابلات الحوارية، لتقديم المحتوى الواحد بأشكال متعددة تناسب مختلف الأذواق وطرق الاستيعاب. تخيل مثلًا كيف يمكن شرح خطة وطنية للتحول الرقمي للمواطن البسيط في قرية نائية: ربما من خلال حوار مع صاحب محل استفاد من خدمة حكومية إلكترونية واختصر وقتًا وجهدًا، أو برسم بسيط يظهر مراحل الخدمة قبل الإلكترونية وبعدها. هذه الأمثلة الحية هي التي تجعل المعلومة حقيقية ومؤثرة.
فأنا لا أتحدث هنا عن افتراض نظري، بل عن حاجة ملموسة يلمسها كل من يعيش تفاصيل الحياة اليومية؛ وكل من يتابع الصحف والقنوات التلفزيونية والفضائية ويتابع ردود أفعال الناس، فنجد أن مستوى الفهم يختلف من بيت إلى آخر، ومن جيل إلى جيل، ومن شخص إلى شخص؛ مما يجعل مسؤولية الإعلام أكبر في أن يكون شاملًا لا إقصائيًا، ومفهومًا لا نخبوياً.
غير أن هذا الطموح لا يخلو من تحديات عملية جسيمة. فهذا الإعلام يعمل في كثير من الأحيان تحت ضغوط الوقت، حيث تكون السرعة في نقل الخبر والرد على الشائعات عنصرًا حاسمًا. كما أن الموارد المحدودة، سواء كانت مادية أو بشرية، قد تحدّ من قدرته على إنتاج محتوى تفسيري عميق ومتنوع. فقلة الميزانيات قد تعني عدم القدرة على إرسال مراسلين لتغطية ميدانية شاملة، أو عدم توفر كوادر متخصصة لتحليل القضايا المعقدة. ويوازن، في نفس الوقت، بين مسؤولية دعم قضايا الدولة وبين الحفاظ على مصداقيته واستقلاليته المهنية، وهو توازن دقيق يحتاج إلى حكمة كبيرة...يتبع
"الرأي"