من كثر الفصام الذي أعيشه رغماً عني.. إسمحولي أن أدخلكم معي فيه.. بهذه الفقرات المفصومة.. وعن جهتين فقط.. ساهمتا بما أنا فيه..
نحن لا نعيش حدثاً واحداً ثم نغادره.. نحن ندور في دوامات متلاحقة.. كأنها مصممة بعناية.. لإبقاء رؤوسنا تحت الماء.. دون أن نغرق تماماً.. الفاعلون دائماً طرفان.. طرف يعزف.. وطرف يغني..
والغريب أنهما يبدوان مختلفين.. لكن النتيجة واحدة.. والأدهى أن العزف كثيراً ما لا ينسجم مع الكلمات.. فنخرج من المشهد مصابين بانفصام سياسي.. لا نفهم ما الذي قيل فعلاً.. ولا ما الذي أُريد لنا أن نفهمه..
الحكومات المتعاقبة تخرج بتصريحات قصيرة.. مباشرة.. لا تحتمل أكثر من معنى.. وما إن يجف حبرها.. حتى يخرج علينا محللو الخطابات.. فيُحوّلون الفقرتين إلى موسوعات.. هذا يبني مجلدات من التفاؤل.. وذاك يرص أرفف كاملة من التشكيك والنقد.. ونحن في المنتصف.. لا نعرف هل نطمئن.. أم نقلق.. هل نصدق النص.. أم نصدق الشرح المطول.. وهل المشكلة في التصريح.. أم في مَن تنطح ليشرحه لنا.. حتى نضيع فيه..
ثم تتسع الفجوة أكثر.. حين تبدأ الحكومات بالغناء العالي عن المشاريع العملاقة.. عن الفرص التي ستقضي على البطالة.. عن مستقبل سيبهر المواطن.. ثم تتعثر المشاريع.. مرة بسوء التخطيط.. مرة بفساد التنفيذ.. ومرة بنقص التمويل الطارئ.. ولن نقل بسبب الفساد.. مجاملة للواقع.. لكن ما لا يحدث أبداً هو الشرح الصحيح.. لا خطاب صادق.. لا محاسبة واضحة.. لا أموال نهبت.. أو أهدرت تعود.. فقط إشارة عابرة.. بأن الأمر طبيعي ويحدث.. وكأن الأحلام التي بُنيت على هذه الوعود.. لم تكن يوماً موجودة.. فمن المسؤول عن تبخر أحلامنا؟!.. ومَن قرر أن الألم عابر.. ولا يستحق التوقف عنده؟!..
وعندما نُدير العدسة نحو المُنظرين السياسيين والعسكريين أنفسهم.. نجد مفارقة لا تخلو من السخرية.. أبسط القواعد التي يدركها المواطن العادي.. تغيب عن كثير منهم.. لا فرق عندهم بين هاوٍ ومحترف..
يحللون تحركات الدول الكبرى.. وكأنهم يراقبون هوشة في زقاق.. يتنبأون.. يهوّلون.. أو يبَسِطون.. وكثيراً ما يزرعون الرعب في النفوس.. بينما الحقيقة.. أن أولئك اللاعبين يتحركون في ملعب آخر.. بقوانين أخرى.. وبصبر لا يعرفه مَن يراقب من المدرجات.. فما بالك إن كانت غير ذات المدرجات؟!..
خذها ببساطة.. لعبة شطرنج بين إثنين هواة.. تنتهي خلال دقائق.. القطع تتساقط مع كل حركة.. والضجيج يسبق التفكير.. أما حين يلعب إثنان محترفان.. فقد تمتد اللعبة لساعات.. وربما لجلسة.. أو جلساتٍ أخرى.. دون أن يسقط حتى جندي واحد.. الحركات محسوبة.. والصمت أبلغ من الهجوم.. والهاوي الواقف خلف الرقعة سيقول بثقة مدهشة.. ما أغباهما.. وما أهبلهما.. القلعة كانت أمامه ولم يأكلها..
وهنا تكمن المأساة كاملة.. حكومات تعِد بلا حساب.. ومحللون يشرحون بلا فهم.. ونحن المواطنون عالقون بين عزفٍ لا نعرف مقامه.. وأغنية لا نفهم كلماتها.. فبرحمةٍ واحدة فقط.. إرحمونا إثنيناتكم..