زحزحة قارية في العلاقات الدولية
مالك العثامنة
29-01-2026 12:04 AM
لم يعد ما نشهده اليوم في العلاقات الدولية مجرد سجال عابر حول مبادرة هنا أو مجلس هناك، بل هو انعكاس لتحول أعمق بكثير، تحول لا يُقاس بعدد القرارات أو أسماء المنصات الدولية، بل بتغير عناصر القوة نفسها التي حكمت النظام الدولي لعقود طويلة، وما يتم طرحه اليوم، سواء اتخذ شكل مجلس سلام أو إطار تفاوض جديد، ليس إلا عرضا سياسيا لزلزال بنيوي يتحرك تحت سطح النظام العالمي.
الخطأ الشائع في قراءة هذه التحولات هو اختزالها في شخصيات أو إدارات أو حتى صراعات محددة، بينما الحقيقة أن النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية كان ابن لحظة تاريخية مختلفة، أدوات القوة فيها واضحة، ومصادر النفوذ مستقرة نسبيا، واليوم، تلك اللحظة انتهت، ومعها انتهت صلاحية كثير من القواعد التي بني عليها العالم.
أول هذه التحولات يتمثل في انتقال مركز الثقل من النفط كمصدر شبه مطلق للقوة إلى مزيج أكثر تعقيدا من الطاقة البديلة والمعادن النادرة، لم تعد الدول تُقاس فقط بما تحت أرضها من بترول، بل بما تملكه من ليثيوم، كوبالت، عناصر أرضية نادرة، وبما تستطيع التحكم به من سلاسل إنتاج هذه الموارد، هذا التحول غيّر الجغرافيا السياسية للطاقة، وخلق لاعبين جددا، وقلّص هامش المناورة لدى دول كانت تعتمد على معادلة واحدة ثابتة.
التحول الثاني أكثر هدوءا لكنه أشد تأثيرا، ثورة تكنولوجيا المعرفة والمعلومات، التي لم تغيّر فقط شكل الاقتصاد، بل أعادت تعريفه، الاقتصاد لم يعد قائما على الإنتاج المادي وحده، بل على البيانات، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، وسرعة الوصول إلى المعلومة وتحليلها، هذه الثورة أعادت توزيع القوة بين الدول، وقلّصت الفجوة بين الجغرافيا والقدرة، وسمحت لقوى غير تقليدية بأن تدخل دائرة التأثير العالمي دون جيوش أو أساطيل.
أما التحول الثالث، وربما الأكثر حساسية، فهو صعود سلاسل التزويد كأداة قوة بحد ذاتها، لم تعد الدولة القوية هي التي تنتج فقط، بل التي تسيطر على طرق الإمداد، الموانئ، الممرات البحرية، العقد اللوجستية، وتجارب السنوات الأخيرة، من الجائحة إلى الحروب، أثبتت أن انقطاع سلسلة واحدة قادر على شل اقتصاد كامل، وهنا، تحولت اللوجستيات من ملف فني إلى سلاح استراتيجي.
في هذا السياق، تبدو كل المبادرات المطروحة اليوم، مهما اختلفت تسمياتها، محاولات لإعادة هندسة نظام لم يعد يعمل بالمنطق القديم، وقد لا تكون هذه الصيغ مثالية، وقد تحمل في طياتها تناقضات خطيرة، لكنها تشير بوضوح إلى حقيقة واحدة، أن العالم يعيد ترتيب نفسه، ومن لا يقرأ هذا التحول كمسار شامل، سيبقى عالقا في نقاشات شكلية لا تغيّر شيئا من جوهر المشهد.
النظام الدولي لا يُهدم فجأة، لكنه يتآكل من الداخل، وما نراه اليوم هو لحظة انتقال، لا تشبه الماضي، ولم تتضح ملامح مستقبلها بعد، لكنها بالتأكيد لا تنتظر المترددين.
"الغد"