facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردنيّ عاشقا


أ.د سلطان المعاني
01-02-2026 11:13 AM

يبدأ الأردني غناءه من البيت، من كفِّ أمٍّ تضع على الجبين بركة الصباح، ومن صوت أبٍ يوزّع على الطريق أمانًا وخبرةً ووقارًا. يخرج اللحن من المطبخ قبل أن يخرج من المسارح؛ ينهض من رائحة القهوة، ومن ارتباك الخبز حين يتهدّج على النار، ومن دعاءٍ يهمس في الزوايا ثم يستقيم في الحناجر. يغنّي الأردني لوالديه لأنهما أصل السيرة، ولأنهما أول درسٍ في الصبر والكرامة، ولأنهما قامةٌ تشبه ظلَّ الجبل حين يطول على بيوتٍ صغيرة فتغدو أكبر من حجمها. يردّد اسم الأب والأم على هيئة شكرٍ يوميّ، فيتحوّل الامتنان إلى موسيقى، وتتحوّل الموسيقى إلى أخلاقٍ تمشي على قدمين.

يستعيد في ذلك الغناء صورة الوطن داخل العائلة؛ فالأردن يبدأ حين يُنادى الطفل باسمه كاملًا، وحين تُروى الحكاية القديمة على مهلٍ قرب نافذةٍ تطلّ على ساحةٍ ترعى فيها الروح قطيع أحلامها. يربط الأردني بين البرّ وبين الصوت؛ فالبرّ عنده فعلٌ ينضح في اللسان وفي اليد وفي نظرة العين. وحين يعلو اللحن لوجه الأم، يعلو معه وعدٌ صامت بأن تبقى الأيام لطيفةً قدر الطاقة، وأن يظلّ البيت مستودعًا للدفء مهما تغيّر العالم من حوله. في هذا الأفق يصبح الغناء طريقةً للوفاء، وطريقةً لتهذيب القلب، وطريقةً لإبقاء السند حاضرًا حتى حين يبتعد الجسد.

ويمضي الغناء إلى الأولاد بوصفه استثمارًا في الغد؛ يغنّي لهم كي يزرع فيهم ذاكرةً حيّة، وكي يدرّب أرواحهم على الفرح النبيل. يهبهم نغمةً تشبه خريطةً داخلية، تعلّمهم أن الطريق يتّسع لمن يثق بخطاه، وأن الكرامة صفةٌ تُمارَس قبل أن تُقال. يتوسّل الأردني في أغنيته لأبنائه نورًا يحرسهم، ويعلّق على صدورهم خرزةَ جدٍّ قديمٍ كان يفتّش في البراري عن الماء وعن الكلام الطيّب. يبتكر للأبناء أناشيد صغيرة تليق بضحكاتهم، ويجعل للمدرسة إيقاعًا، وللملعب إيقاعًا، ولأول خيبةٍ إيقاعًا يداويها ويعيد ترتيبها داخل النفس حتى تتخذ هيئة خبرة.

ويرتفع الغناء إلى الملك حين تتقاطع في الوجدان صورة الدولة بصورة البيت الكبير؛ فيغدو الملك عنوانًا لوحدةٍ يتشاركها الناس، ومرآةً لمكانٍ يريد له الأردني أن يظلّ واقفًا في الريح. يُنشد بحسٍّ وجدانيّ، ويستعير من الفخر نبرةً متوازنة: فالمحبة عنده تُصاغ في هيئة احترامٍ واعترافٍ بالرمز، وفي هيئة دعاءٍ للعافية والرشد، وفي هيئة رجاءٍ بأن يبقى سقف البلاد عاليًا على الجميع. يربط بين القيادة وبين الأمانة العامة، فينطلق صوته من رغبةٍ في انتظام الحياة، ومن توقٍ إلى مستقبلٍ يليق بتضحيات الجنود والمعلمين والمزارعين والعمّال وأهل القرى والبوادي والمدن. يتحوّل النشيد هنا إلى عقدٍ وجدانيّ، يذكّر بأن الوطن يستقيم حين تتجاور المحبة والمسؤولية في قلبٍ واحد.

ويعانق غناء الأردني الشجر ومواسم الخير، لأن الشجر عنده كتابٌ مفتوحٌ على الأرض، ولأن الموسم شهادةٌ على صداقةٍ قديمة بين الإنسان والتراب. يغنّي لزيتونةٍ تعلّمت الصبر في الهضاب، ولعنبٍ يتدلّى كضحكةٍ على السلال، ولقمحٍ يلمع في الظهيرة كأنه ذهبٌ أخلاقيّ، وللرمان حين يتوهّج في الخريف فيذكّر بأن الكثرة قد تسكن في حبةٍ واحدة. يرقّ صوته في الربيع، ويصير أكثر وقارًا في الشتاء، ويتحوّل في الصيف إلى نشيدِ عملٍ يرافق الحصاد، ثم يعود في الخريف إلى تأمّلٍ طويلٍ في دورة الأشياء. في هذه المواسم يتعلّم أن الزمن يتحرّك في دوائر رحيمة، وأن الحياة تمنح فرصتها لمن يزرع ويصبر ويشكر.

ويمشي الغناء على أدراج عمّان وجبالها، فيتبدّل إلى إيقاع خطواتٍ تتسلّق المدينة وتكتشفها درجةً درجة. يهبط في الصباح مع عمّالٍ يعبرون السلالم بين الأحياء، ويصعد في المساء مع طلابٍ يحملون كتبهم وقلوبهم بين شرفاتٍ حجرية وواجهاتٍ قديمة. يصادق الأدراج لأن الأدراج تُعيد تعريف المسافة؛ المسافة في عمّان تجربة جسدية وروحية في آنٍ معًا، تُدرّب الرئة على الصبر، وتُدرّب العين على ملاحقة التفاصيل: بابٌ أزرق، شجرة تينٍ على كتف بيت، قطة تراقب المارّة بحكمةٍ صامتة، ومقهى صغير يوزّع على الشارع حياةً إضافية. تستوي الجبال حوله كحراسٍ قدماء، ويشعر أن المدينة تكتب سيرتها على التضاريس، وأن الحجر يملك ذاكرةً حسّية، وأن الممرات القديمة تحفظ دلالاتٍ لا تُرى من الطريق السريع.

ويستقرّ في جوهر هذا كله سؤالٌ فلسفيّ يليق بالوجدان: لماذا يغنّي الإنسان أصلًا؟ يغنّي الأردني لأنه يريد ترتيب العالم داخل صدره، ويريد منح الفرح مقامًا كريمًا وسط تعب الأيام. يجعل للصوت وظيفةً تتجاوز التسلية؛ وظيفةَ ترميمٍ داخليّ، ووظيفةَ صيانةٍ للذاكرة الحيّة، ووظيفةَ وصلٍ بين الفرد وجماعته. يغدو الغناء لغةً ثانية حين تضيق لغة الكلام، ويصير جسرًا حين تتباعد الأيدي، ويصبح طقسًا اجتماعيًّا يعلّم الناس كيف يتشاركون الأمل بطريقةٍ مهذّبة.

ويغدو العاشق عصيًّا على الاستغضاب، لأن العشق حين يكتمل يتحوّل إلى سعةٍ داخلية تتجاوز انفعالات اللحظة. يذيب حدّة التوتر في بحرٍ من الرضا، ويستبدل ردّ الفعل السريع بحكمةٍ تمهل وتفهم وتحتوي. يأنف العاشق من الخصومة الصغيرة، ويرى في الصفح رفعةً، وفي التلطّف قوةً، وفي الصبر جمالًا. يعامل الحياة كصديقةٍ قديمة تستحق حسن الظن، ويعامل الناس كمسافرين يحتاجون كلمةً ترفعهم.

وحين يغنّي الأردني بهذه الروح، يصبح الوطن نبرةً في الحنجرة، ويصبح الحب طريقة عيش، وتصبح عمّان سلّمًا يصعد عليه القلب نحو قيمةٍ أصفى، نحو دلالةٍ أعمق، نحو ذاكرةٍ حيّة تليق بأرضٍ تعلّم أبناءها الغناء.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :