لم تتأخر النخب الأردنية عن مثيلاتها العربية في المساهمة بتقديم قراءة سياسية لما حدث في الشرق الأوسط من تحولات كبرى بعد السابع من أكتوبر. وعلى تواضع ما توفر حتى الآن من سرديات، فإن هول ما حصل من أحداث، وإصرار قوى وازنة على تأجيل كل نقاش أو سرد نقدي للوقائع إلى أن تضع حرب الإبادة أوزارها، يعطينا عذرا عن هذا التأخير.
ويمكننا هنا نضيف بعدا آخر لحالة الإرباك تلك، يتمثل في أن حروب المنطقة التي تفجرت في العامين الماضيين، تزامنت مع تصدع هائل في العلاقات والتحالفات الدولية بعد عودة ترامب لسدة الحكم في واشنطن، ببرنامج ثوري قلب موازين القوى العالمية، فتراكم الضباب السياسي لدرجة حجبت الرؤية عن الساسة والمحللين، ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل في معظم دور السياسة الغربية ومراكز صناعة القرار الأوروبي.
وما أعاق قدرة النخب الفكرية والسياسية في منطقتنا على تقديم سرد عربي واضح وشامل للأحداث، ولمستقبل الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية ما بعد السابع من أكتوبر، هو انقسام هذه النخب بين معسكرين. وهو في اعتقادي انقسام قسري مصلحي لا يمت بصلة لتقاليد مؤسسات التفكير والبحث العالمية.
وما بين أيدينا الآن قراءات متعددة ومتباينة للتطورات والمتغيرات، تهيمن عليها وباستثناءات قليلة سياقات رسمية عربية تتصارع على الأدوار والمصالح في المرحلة القادمة، حتى قبل أن يبلغ الصراع الكبير في المنطقة نهايته، بانتظار ما ستسفر عنه المواجهة بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى.
المفقود وسط هذا كله، هو القراءة الأردنية لكل هذه التحولات. وأعني التعريف الأردني لما حدث وما يمكن أن يحدث، وتأثيره على المصالح الأردنية على المديين المتوسط والبعيد.
لم نتمكن أردنيا بعد من تعريف التحولات الجارية منذ السابع من أكتوبر. لا أعني هنا مواقفنا السياسية، فهي واضحة ومعروفة ومشهودة.
النخب السياسية والفكرية لم تقدم بعد على تحليل ما جرى من أحداث كبرى وتأثيرها على الأردن في العقد المقبل. ولم تتصدّ للأسئلة المقلقة والمزعجة بعد. علاقتنا مع إسرائيل في السنوات المقبلة، إدارة نتائج الترسيم الدولي النهائي، للفصل بين شطري الوطن الفلسطيني الواحد، مصير الضفة الغربية بعد فك ارتباطها بقطاع غزة، العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية في عهد ترامب ومابعده، والأهم من ذلك نظرة إدارة ترامب للدول الأقل شأنا من الناحية الاقتصادية في الشرق الأوسط. وما يعنيه التفويض الأميركي لنتنياهو بمسؤوليات أوسع في المنطقة.
الرؤية الأميركية للشرق الأوسط- والعالم بالطبع- تبدلت بشكل جذري. إدارة ترامب لا تقدر كثيرا الصدقات القديمة، بقدر تقديرها للمصالح الاقتصادية.
يصاب المرء بالذهول، وهو يسمع ترامب يكيل المديح للرئيس السوري أحمد الشرع. ينبغي أن يثير ذلك اهتماماتنا هنا في الأردن. سورية مثال آخر على عدم قدرتنا حتى اللحظة على تعريف ما حدث هناك أردنيا. وما يعنيه أن تقوم دولة قوية في سورية، في ظل حكم تيار سياسي ينتمي إلى المدرسة المتطرفة. لقد طور الأردن مع مرور السنوات سياسة مناسبة لإدارة العلاقة مع سورية الضعيفة والمنهكة بالحرب الأهلية. جديد علينا اليوم التفكير بسورية قوية في جوارنا.
التحالفات العربية التقليدية في حالة ارتجاج شديدة مع تصاعد الخلافات الثنائية بين أقطابها، ودخول تركيا وباكستان والهند على دائرة الفعل المباشر في العالم العربي. كيف نعرف كل ذلك أردنيا، وكيف سنتعامل معه؟ .
اليوم نحن في لحظة تاريخية يلفها عدم اليقين، ونكاد لا نعرف ما يحمل لنا اليوم التالي، لأننا لم نجرؤ بعد على تعريف مصالحنا أردنيا.
"الغد"