برغم كل الأزمات التي نعيشها على مستويات مختلفة، إلا أن هناك عدة ظواهر محيّرة في الأردن، لا يعالجها أحد بل متروكة لتكبر.
في تقرير نشرته الزميلة فرح العطيات المخضرمة في مجال البيئة هنا في صحيفة "الغد" نقرأ أن الحكومة أطلقت حملتها التوعوية للبرنامج التنفيذي لإستراتيجية النظافة والحد من الإلقاء العشوائي للنفايات 2027-2026، التي تستهدف من خلالها رفع مستوى الوعي العام لدى المواطنين، وتغيير سلوكياتهم المتعلقة بهذه الظاهرة، ونرى إعلانات الحملة في كل مكان، فوق رسائل التهديد بالمخالفات من خلال الكاميرات، وهذا أمر جيد لا خلاف عليه، لأن إلقاء النفايات في كل مكان يشوه سمعة المدن الأردنية، ولا يليق بالأردن أيضاـ الموسوم بكونه الأعلى تعليما في شرق المتوسط.
لكن المعالجات في الأردن تأتي ناقصة دائما، ولا يتحدث لك أحد عن ظاهرة نبش الحاويات، حيث يعمل الآلاف في نبش الحاويات، وكل حاوية في حي يتم نبشها أربع مرات وست مرات، يوميا، حيث تهجم السيارات والبكبات على الحاويات طوال اليوم، وحتى منتصف الليل، وقبل طلوع الشمس، والحاوية الواحدة يتم نبشها مرات ومرات، والذين ينبشون يقلبون الحاويات أرضا من أجل فتح ما فيها من أكياس، يتركون بعض هذه النفايات أرضا، بحيث باتت المكاره الصحية في أماكن كثيرة، خصوصا، تأثيرها الصحي صيفا.
إذا تحدثت للمسؤولين، لا أحد يسمع، ووكالات تدوير النفايات هي أصل المشكلة، لأنها ترسل مئات السيارات لنبش كل هذه الحاويات، فلا الجهات الرسمية تعالج المشهد، ولا تضع حدا لهذه الظاهرة في بلد يريد جلب الاستثمارات، وبيع العقار، ويتحدث بصوت عال عن ظاهرة الإلقاء العشوائي للنفايات في كل مكان ولا يعالجها إلا بكاميرات موزعة على الأعمدة، أو على السيارات في حالات ثانية.
هذه ظاهرة تذكرني بالدول الآسيوية المعدمة التي تعيش فيها طبقات مدمرة اقتصاديا، فتضطر إلى أشغال وأعمال يأنفها الناس في الوقت الطبيعي، فتسأل نفسك هل يعقل أن دولة في عام 2026، تريد معالجة مثل هذه الظواهر تتغافل عن نشوء طبقة من النباشين وسياراتهم القديمة تغزو الأحياء، دون حسيب أو رقيب، برغم أن الحل سهل ويرتبط بمن يتلقون كل هذه النفايات القابلة لإعادة التدوير، فيما بعضها لا يعاد تدويره بل عرضه في أسواق الخردة بسعر قليل لعل أحدا يشتري قطعة مستعملة، أو بنصف عمر كما يقال بالعاميّة.
أذهبُ إلى صلاة جمعة وأشاهد السيارات التي تبيع أمام المسجد بعد الصلاة وكيف تترك مخلفاتها من الخضار أو الفواكه أو النفايات قرب المسجد وتغادر وكأن شيئا لم يحدث، ثم نتحدث عن قيمة العبادة والنظافة، وكيف يتوجب علينا اتباع سلوكيات محددة في حياتنا، لكن تناقض السلوك لدى بعضنا وليس كلنا يظهر فور انتهاء صلاة الجمعة.
هناك أنماط اجتماعية اقتصادية خطيرة تكبر في الأردن دون معالجة عميقة من قصة طبقة النباشين الذين ربما يطالبون بجمعية أو نقابة لتنظيم أعمالهم، وصولا إلى شبكات التسول التي تتمدد وتكبر أيضا، برغم كل محاولات المعالجة، مرورا بالذين يصرخون ليل نهار عارضين شراء غرف النوم من البيوت، وكأننا الشعب الأكثر رومانسية الذي يغير غرفة نومه كل شهرين، فوق الصراخ الذي حوّل البلد إلى غابة من التلوث الصوتي الأخطر من التلوث المادي بالنفايات بما في ذلك أنقاض ورش البناء التي نراها في كل مناطق الأردن، وتلويث الأماكن السياحية، والغابات من جانب الزائرين والمتنزهين.
الخلاصة هنا تقول إن إطلاق هذه الحملة أمر جيد، خصوصا حين يحضر وزراء الإدارة المحلية، والاتصال الحكومي، والأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية، والبيئة، والسياحة والآثار، إلى جانب رئيس لجنة أمانة عمان الكبرى، ومدير الإدارة الملكية لحماية البيئة، لكن المعالجة يجب أن تكون شاملة لكل مظاهر التلويث، وليس إلقاء النفايات من شباك السيارة أو على الأرصفة فقط، مثلما أن لدينا طواهر سلبية في البلد، بحاجة إلى حلول بدلا من التفرج عليها كل يوم.
جهد الوزراء مقدر، لكننا لا نريدها هبة مؤقتة كما جرت العادة، ولا منقوصة أيضا، وتتغافل عن مشاهد أسوأ مِن رمي سيجارة من سيارة.
"الغد"