facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"الثانوية العامة" وجدلية توزيع الطلبة على الحقول


فيصل تايه
02-02-2026 10:59 AM

في خضم التحولات الكبرى التي تشهدها السياسات التعليمية، لا يكون الجدل بالضرورة علامة خلل، بقدر ما يعكس حيوية المجتمع وحرصه الصادق على مستقبل أبنائه ، وما شهدته الساحة التربوية خلال الأيام الماضية من نقاشات وحوارات موسعة حول أسس توزيع طلبة المرحلة الثانوية على الحقول التعليمية، يندرج ضمن هذا السياق، حيث تداخل القلق المشروع مع نقص المعلومة الدقيقة، وتقدّمت الانطباعات أحياناً على حساب الصورة الكاملة.

ومن هنا، لا يمكن قراءة التوضيحات الصادرة عن وزارة التربية والتعليم بوصفها ردوداً آنية على حالة جدل، بل باعتبارها ممارسة مؤسسية ضرورية تهدف إلى إعادة ضبط الفهم العام، ووضع النقاط على الحروف في ملف بالغ الحساسية، يمس حاضر الطلبة ومستقبلهم، ويقع في صميم أي مشروع جاد لتحديث التعليم الثانوي في الأردن.

فالمسألة، في جوهرها، لا تتعلق باستحداث قواعد مفاجئة أو فرض مسارات قسرية، وإنما بإعادة تنظيم خيارات الطلبة ضمن أسس تربوية راسخة كانت مطبقة بأشكال مختلفة في مراحل سابقة، وتقوم على التدرج، والتعلم التراكمي، وربط المسار الأكاديمي بقدرات الطالب وميوله، ضمن سقف العدالة وتكافؤ الفرص ومتطلبات النظام التعليمي.

ومن المهم ان الوزارة قد اكدت بوضوح وجلاء أن رغبة الطالب تبقى الأساس في اختيار الحقل التعليمي، وأن التحصيل الأكاديمي لا يستخدم إلا في حال زيادة الطلب على حقل بعينه، كأداة مفاضلة عادلة ومنظمة، لا كوسيلة إقصاء أو تقييد ، وهذه النقطة "تحديداً" تعيد القرار إلى سياقه الحقيقي، بوصفه إجراءً تنظيمياً يهدف إلى تحقيق التوازن والاستقرار، لا إلى تقليص الخيارات أو احتكارها.

وبما أن قرار تنظيم المرحلة الثانوية في أربعة حقول تعليمية معتمد ويطبق في هذا العام الدراسي الحالي، فإن توزيع الطلبة ضمن هذه الحقول هذا العام ستأخذ الوزارة في الاعتبار وفق أسس واضحة وموحدة، تضمن العدالة والمساواة بين جميع الطلبة، وتمنع أي تباين في التطبيق أو اجتهادات قد تربك العملية التعليمية أو تثير شعوراً بعدم الإنصاف ، فحين يكون الإطار التنظيمي قائماً ، تصبح العدالة في إدارته مسؤولية لا تقبل التأجيل أو التفسير المتباين، لأن حسن التطبيق هو جوهر أي إصلاح تربوي ناجح.

ومن المهم في هذا السياق التمييز بين إتمام المرحلة الثانوية، الذي تُعبر عنه شهادة الصف الحادي عشر المدرسية، وبين امتحان الثانوية العامة (التوجيهي) الذي يظل الأداة الوطنية الرئيسة للقبول الجامعي ، فهذا الفصل المفاهيمي يوضح أن تقييم الطالب لا يُختزل في العلامة المدرسية وحدها، بل يقوم على منظومة متكاملة توازن بين إتمام المرحلة التعليمية والمفاضلة الأكاديمية في التعليم العالي، بما يعزز العدالة ويخفف من الضغوط المبكرة.

كما أن قرار تقليص الحقول إلى أربعة، الصادر عن مجلس التربية، لا يعد إجراءً معزولاً ، بل يأتي ضمن رؤية أشمل لإعادة هيكلة المرحلة الثانوية، والانتقال إلى مسارات أكثر وضوحاً ومرونة، وانسجاماً مع متطلبات التعليم العالي وسوق العمل ، ومن الطبيعي، بل من الضروري، أن تستكمل هذه الرؤية بأسس تنظيمية واضحة لتوزيع الطلبة، لأن ترك الاختيار مفتوحاً دون ضوابط عادلة لا يخدم الطالب ولا النظام التعليمي ولا المصلحة العامة.

وفي هذا الإطار، تتراجع المخاوف المتعلقة بتكدس الطلبة في حقل بعينه عند قراءة المؤشرات الواقعية، التي تؤكد أن الرغبات ستتوزع بطبيعتها، وأن المفاضلة لن تُفعل إلا عند الحاجة، بما يمنع الاختلالات التي عانت منها منظومة القبول الجامعي لسنوات طويلة.

ولا يمكن إغفال أن جزءاً من الجدل الذي أُثير لم يكن ناتجاً عن مضمون القرار ذاته، بقدر ما كان انعكاساً لطريقة تداول المعلومة في الفضاء العام ، فالتجربة التربوية الأردنية تثبت أن صواب القرار لا يكتمل إلا بصواب تقديمه وشرحه، وأن الفجوة بين السياسات والمجتمع غالباً ما تنشأ حين تغيب المعلومة الدقيقة، لا حين تغيب النية الحسنة.

ومن هنا، يصبح التمييز ضرورياً بين نقد السياسات بوصفه حقاً مشروعاً، وبين سوء فهمها بوصفه تحدياً تواصلياً ينبغي معالجته. فالنقاش الصحي هو الذي يعزز الثقة بالمؤسسات، ويسهم في تطوير القرار، لا في إرباكه أو تأزيمه.

ختاماً، لا يقاس نجاح القرارات التربوية بحدة الجدل الذي يرافقها، بل بقدرتها على الصمود أمام العقل، وخدمة الطالب، وتحقيق العدالة، وضمان الاستقرار.

وإذا أُحسن فهم ما يجري اليوم، فإن هذا الجدل يمكن أن يتحول من حالة توتر إلى فرصة وعي، ومن انفعال إلى حوار تربوي وطني مسؤول، تكون فيه مصلحة الطالب هي البوصلة التي لا يجوز الحياد عنها.

والله الموفق.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :