حالة الإدارة العربية 2026
د. صالح سليم الحموري
02-02-2026 11:37 AM
لم يعد الذكاء الاصطناعي في الإدارة الحكومية العربية سؤال تقنية، بل سؤال دولة. فالموجة التي تعيد تشكيل الحكومات حول العالم لا تنتظر المترددين، ولا تُكافئ من يكتفي بالشعارات. وفي هذا السياق، يأتي تقرير حالة الإدارة العربية 2026 الصادر من قبل القمة العالمية للحكومات، ليقول بوضوح ما يتجنبه كثيرون: مشكلة الذكاء الاصطناعي في عالمنا العربي ليست في الخوارزميات، بل في الحوكمة والقدرة التنفيذية ونضج الدولة المؤسسي.
من واقع الممارسة والخبرة، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يعمل اليوم كاختبار قاسٍ للأنظمة الحكومية. فهو لا يُخفي العيوب، بل يُظهرها. لذلك رأينا مشهدًا متكررًا: استراتيجيات وطنية طموحة، وخطابات سياسية عالية السقف، ومبادرات لامعة… تقابلها بيئة تشغيلية لم يُعاد تصميمها أصلًا. وهنا تتجلى ما يسميه التقرير “مفارقة الجاهزية”: الحماس في الأعلى، والتعثر في العمق.
النتيجة ليست فشلًا صريحًا، بل ما هو أخطر: "تحول شكلي "مشاريع قائمة بلا أثر حقيقي على جودة القرار أو كفاءة الأداء أو تجربة المواطن. وحدات تنجح، لكن الحكومة ككل لا تتغير. وهذا ليس عيب تقنية، بل عيب تصميم.
أن التحول لا يبدأ من الرؤية، بل من تشخيص نقطة البداية، فالذكاء الاصطناعي لا يُضاف إلى دولة قديمة، بل يفرض إعادة التفكير في طريقة عملها. من دون ذلك، يتحول إلى طبقة تجميلية فوق نظام منهك.
وفي قلب هذا التحول تقف البيانات، لا بوصفها ملفًا تقنيًا، بل كقضية سيادية. العائق الأكبر أمام الذكاء الاصطناعي في الإدارة العربية ليس نقص الأدوات، بل ضعف جودة البيانات، وتفككها بين الجهات، وغياب حوكمة واضحة. تجربة دولة استونيا تؤكد أن حتى الدول المتقدمة رقميًا اضطرت لإعادة بناء منظومة حوكمة البيانات قبل أن تنجح في توظيف الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
لكن التحدي الأعمق ليس تقنيًا ولا تشريعيًا، بل بشري. أن فجوة القدرات أخطر من فجوة التكنولوجيا. كثير من الحكومات استثمرت في الأنظمة، لكنها لم تستثمر بالقدر نفسه في الإنسان. والنتيجة هشاشة في الاستدامة، وصعوبة في التوسع، واعتماد مفرط على حلول خارجية تمنح سرعة مؤقتة، لكنها لا تبني دولة.
الأكثر حساسية أن نماذج القيادة نفسها أصبحت جزءًا من المشكلة. فالقيادة في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد قيادة يقين وخطط ثابتة، بل قيادة تعمل في بيئة غموض وتجريب ومخاطر محسوبة. الفرق التنفيذية في كثير من المؤسسات كانت أسرع في التكيّف من القيادات، لا لضعف الأخيرة، بل لأن أدوات القيادة لم تتغير بالوتيرة المطلوبة.
ويحسم التقرير معيار النجاح بجملة واحدة يمكن اعتبارها قاعدة ذهبية: الحكومات لا تُقاس بعدد استراتيجياتها، بل بصلابة قدرتها التنفيذية. وما لا يمكن تنفيذه داخليًا وباستمرار، لا ينبغي التعهد به سياسيًا.
وسط هذا كله، يبرز البعد الإنساني لا كقضية جانبية، بل كخط الدفاع الأخير. القلق من فقدان الوظائف، وتآكل "المعنى"، وغموض الأدوار داخل المؤسسات العامة، ليس ضجيجًا عابرًا، بل إنذارًا مبكرًا بأن أي تحول يتجاهل الإنسان محكوم عليه بالفشل، مهما بلغت دقة الخوارزميات وتقدّم النماذج.
فالذكاء الاصطناعي لا يُجامل الحكومات، ولا يرحم النظم الهشة. هو لا يكتفي بتحسين الأداء، بل يفرض سؤالًا وجوديًا: هل هذه الدولة مُصمَّمة فعلًا لعصر الغد؟ أم أنها تحاول إدارة المستقبل بأدوات الأمس؟
* كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية