رواية "ثرثرات في متجر السحر": سيمفونية الوجع والغرائبية في جبل عمّان
02-02-2026 11:00 AM
عمون - قراءة تبارك الياسين - في رواية "ثرثرات في متجر السحر" للكاتبة د. سلوان إبراهيم، التي صدرت ضمن إصدارات دار مسار، نجد نسيجاً سردياً يتجاوز الحدود التقليدية للرواية، حيث تتخلى الكاتبة عن مفهوم البطل الواحد لصالح جوقة من الأصوات المتعددة. هذا العمل ليس مجرد سيرة أو حكاية خطية، بل هو لوحة موزاييكية تجمع بين عوالم متناقضة في قلب عمّان القديمة، خاصة جبل عمّان الذي يصبح مسرحاً للذاكرة الجماعية والوجع الشخصي. الرواية تجمع بين الثرثرة اليومية – تلك الحوارات العابرة التي تبدو تافهة للوهلة الأولى – والقصاصات المتناثرة من الحيوات المتفرقة، لتشكل سرداً يعكس فوضى الوجود الحديث في مدينة تحمل ندوب التاريخ والتحولات الاجتماعية.
تمتاز الرواية بقدرة بصرية عالية؛ فالكاتبة ترسم الأحداث ككادرات سينمائية، بدءاً من تفاصيل "لف الحجاب" المرتبك في الشوارع المزدحمة، وصولاً إلى الغرف الواسعة في البيوت القديمة التي تحمل رائحة الزمن الغابر. هذه الصور ليست مجرد خلفيات، بل هي عناصر حية تشارك في بناء التوتر النفسي. على سبيل المثال، يتحول جبل عمّان إلى شخصية بحد ذاتها: تلالها الوعرة ترمز إلى الصعوبات اليومية، وشوارعها الضيقة تعكس الاختناق العاطفي للشخصيات. هذا الأسلوب البصري يذكرنا بتقنيات السينما الوثائقية الممزوجة بالسريالية، حيث يتداخل الواقع مع الخيال، مما يعزز الطابع الغرائبي الذي يسيطر على النص.
يتجلى البعد الغرائبي في "المتجر" والبيوت التي تبدو وكأنها كائنات حية تخزن الأوجاع. هذا النفس يجعل القارئ يتساءل دوماً عن الحد الفاصل بين الواقع المأساوي والخيال المنقذ، كما لو أن السحر هو الملاذ الوحيد أمام قسوة الحياة. يمكن تفسير "متجر السحر" كرمز للذاكرة الجماعية في عمّان، حيث يجمع بين الغرائبيات اليومية – مثل الأشياء المفقودة التي تعود فجأة – والأسرار العائلية المكبوتة. هذا الغرائبي يقترب من أسلوب الروائيين اللاتينين ، حيث يصبح الخيال أداة لنقد الواقع الاجتماعي، خاصة في سياق التحولات الثقافية في الأردن بعد العصور الحديثة.
نجحت الكاتبة في جعل كل شخصية (مثل جمانة، يوسف، جوليا) صوتاً مستقلاً، يروي قصته بطريقة تجعل القارئ يشعر بتعدد المنظورات. كما يبرز التنوع الثقافي في شخصية "أم جمانة" المصريةه التي استوطنت عمّان، لتؤكد أن المكان هو بوتقة تنصهر فيها الهويات. هذا التنوع ليس سطحياً؛ فهو يعكس صراع الهوية في مجتمع متعدد الثقافات، حيث تندمج التراث المصري مع التقاليد الأردنية، مما يولد توتراً درامياً. على سبيل المثال، جمانة تمثل جيلاً يبحث عن التوازن بين التراث والحداثة، بينما يوسف يجسد الرجل الذي يحاول الحفاظ على الروابط العائلية في وجه الانهيار الاجتماعي.
ترصد الرواية تقلبات القلب؛ فبينما نرى قصص حب محكوم عليها بالفشل، نجد جمانة ويوسف يمثلان علاقة قائمة على الاحتواء والاخوة والصداقة الحميمية، حيث يصبح "بيت الأب" هو الملاذ والذاكرة المشتركة. هذه العلاقة تتجاوز الرومانسية التقليدية لتصبح نموذجاً للعلاقات البشرية في زمن الفقدان، حيث يصبح الاحتواء بديلاً عن الحب العاطفي المباشر. تبرز شخصية "فطيمة/لونا" كنموذج للاغتراب عن الذات وتغيير الاسم كاحتجاج ضد التهميش، مما يعكس قضايا الهوية الجندرية والاجتماعية في المجتمعات العربية. وفي المقابل، يمثل وليد الاغتراب الثقافي، باحثاً عن لحن ضائع بين بيروت وعمّان، حيث يصبح الموسيقى رمزاً للبحث عن الجذور المفقودة في ظل النزاعات الإقليمية.
تطرق الرواية أبواباً نفسية شائكة عبر مشاهد تتأرجح بين الهستيريا والإجهاد الخيالي. سيكولوجية العنف: يبرز مشهد "القتل الذي ليس قتلاً" كذروة للهستيريا وتفريغ الكبت، حيث يتحول الفعل إلى انفجار رمزي لقتل الخوف أو الماضي الجاثم على الصدر. هذا المشهد يمكن تفسيره كاستعارة للعنف المكبوت في المجتمعات العربية، حيث يصبح القتل الرمزي طريقة للتحرر من الضغوط النفسية. المواجهات المتأخرة والعدم، يجسد لقاء ليلى وإبراهيم "مرحلة اللاشيء"، حيث الصدمة التي تجمد المشاعر وتجعل الهواء ثقيلاً كالصخرة. أما لقاء كريم وجوليا بعد غياب، فيختصر وجع الفقد والتحولات القاسية التي يفرضها الزمن، مما يذكرنا بأعمال فرويد حول الصدمة والنسيان. الأحلام الحرام، يمثل هذا الفصل ذروة الإجهاد الخيالي، حيث تكسر الكاتبة منطق الواقع لتستكشف رغبات العقل الباطن والمناطق المحرمة بجموح وغرائبية، مستلهمة ربما من تقنيات السريالية لاستكشاف اللاوعي.
فلسفة النهاية: يُعد فصل "إغلاق الملف" من أعمق المقاطع نقدياً؛ حيث تطرح الكاتبة رؤية مغايرة للم…