ترامب حين يخرج على "مُسلّمات" السياسة الدولية
أ.د أحمد بطَّاح
02-02-2026 11:30 AM
إنّ المتابع لمواقف الرئيس الأمريكي ترامب يلاحظ بوضوح أنه يحاول الخروج عن "مستقرات" السياسة الدولية غير عابئ بما قد يترتب على ذلك من آثار على الدول الأخرى، والمنظمات الدولية، بل وحتى على الولايات المتحدة ذاتها أحياناً، وإذا أردنا الاستشهاد على هذه الظاهرة "الترامبية" فإنّنا يمكن أن نجد الكثير ولعلّ من أهمه ما يلي:
أولاً: محاولة تجاوز منظمة الأمم المتحدة التي جرى التوافق على إنشائها والالتزام بقوانينها وقراراتها منذ الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) في تأسيس ما يُسمى مجلس السلام (Board of Peace) مؤخراً، الأمر الذي يُعدّ محاولة واضحة لتجاوز المنظمة الدولية وطرح بديل لها للتعامل مع الأزمات الدولية وليس قضية قطاع غزة فقط (وفقاً لتفويض الأمم المتحدة بتأسيس مجلس للسلام)، وما يؤكد محاولة ترامب هذه أنه سحب الولايات المتحدة من (60) منظمة دولية تابعة للأمم المتحدة.
ثانياً: استخفاف ترامب بمبدأ سيادة الدول وحصانة الرؤساء حيث هاجمت قوات بلاده فنزويلا واختطفت رئيسها وزوجته بغير أيّ التزام بمبدأ سيادة دولة فنزويلا وحصانة رئيسها، والأسوأ من ذلك أنه عبّر بصراحة تامة أنه ينوي استغلال النفط الفنزويلي (تعد فنزويلا الأغنى في العالم من حيث احتياطي النفط) وبدأ ذلك بـ (50) مليون برميل نفط يوزعها كما يرى على الولايات المتحدة وفنزويلا!
ثالثاً: إبداء الرغبة في السيطرة على جزيرة "غرينلاند" (تزيد مساحتها عن 2 مليون كم2) رغم أنها تتبع مملكة الدنمارك (وهي عضو في حلف الناتو والاتحاد الأوروبي) وذلك بالطريقة (الصعبة أو السهلة!) زاعماً أنها تشكل أهمية استراتيجية للولايات المتحدة في صراعها مع الصين وروسيا، فضلاً عن أنها تحتوي على كثير من المعادن النادرة.
رابعاً: الضغط على كندا (تزيد مساحتها عن 9 مليون كم2 وعدد سكانها 42 مليون نسمة) وهي إحدى الدول السبع الغنية في العالم (G7) للانضمام للولايات المتحدة برغم الرفض الرسمي والشعبي الكندي لهذه الفكرة، وبرغم أن كندا هي إحدى حليفات الولايات المتحدة وبينهما كل ما هو معقول من تبادل تجاري وتنسيق سياسي وعسكري وغيره.
خامساً: التضييق على حلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) ودفعهم لزيادة حصتهم في نفقات الحلف وصولاً إلى (5%) من الناتج المحلي الإجمالي، ودفعهم إلى شراء الأسلحة لأوكرانيا والتوقف عن شراء النفط والغاز الروسيين بغير أي تقدير لما يترتب على ذلك من آثار على الدول المنخرطة في هذا الحلف، وقد وصل به الأمر إلى تهديد دول الاتحاد الأوروبي بزيادة الرسوم الجمركية عليها كلما خالفت توجهاته وسياساته وكان آخرها تلك الزيادة التي تراجع عنها وكان يجب أن تبدأ مع بداية الشهر القادم!
سادساً: التدخل في شؤون الدول الأخرى بغير أيّ مسوغ قانوني فهو يحشد الآن الأساطير الأمريكية للتدخل في إيران مرةً بحجة إنقاذ المتظاهرين ضد النظام الإيراني، ومرةً أخرى بحجة عقد صفقة بشأن السلاح النووي الإيراني (رغم ادعائه بأنه دمّر هذه الأسلحة في حرب الـ 12 يوماً السابقة) وبغير أن يأخذ في الاعتبار ما سوف تجره هذه الحرب على دول المنطقة وشعوبها من آثار مدمرة، وبغير أن يكون لديه أي تصور لما قد يعقب انهيار النظام الإيراني الحالي.
إنّ من الواضح أنّ ترامب يستغل حقيقة أن الولايات المتحدة هي أقوى قوة على وجه الأرض (لديها 6000 رأس نووي استراتيجي و 800 قاعدة عسكرية حول العالم)، وأنها تتوفر على أكبر إقتصاد في العالم (ربع إقتصاد العالم)، وعليه فقد قرر أن يُنصّب نفسه "إمبراطوراً" للعالم يتدخل في دوله ويتعامل مع قضاياه انطلاقاً من هذا الوضع متجاهلاً ما تواضعت عليه الأمم والشعوب، من "قانون دولي"، "وقانون دولي إنساني"، وغير ذلك من مبادئ سياسية وأعراف دبلوماسية. إنّ سياسة ترامب في الواقع هي تبني صريح وواضح لمبدأ القوة (Might is right) وليس لمبادئ الحق والعدل التي ترجمتها القوانين الدولية بغض النظر عن مدى الالتزام بها واقعياً، وقد عبّر عن هذا الوضع الجديد بوضوح الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش حين قال بأن ما يحكم العالم الآن هو "قانون القوة وليس قوة القانون"، وكما عبّر عنه كذلك رئيس الوزراء الكندي "كارني" حين قال بأن "العالم لم يعد كما نعرفه"، وأن الدول الضعيفة والمتوسطة أصبحت عُرضة للسحق والهيمنة من القوى الكبرى "في إشارة واضحة للولايات المتحدة".
إلى متى سوف يستمر ترامب في تجاهله "لمُسلّمات" السياسة الدولية؟ لا أحد يعلم على وجه اليقين ولكن الدنيا حُبلى بالمتغيرات دائماً.