لمن يكون الذنب .. حين يكون الظلم وظيفة؟!
محمود الدباس - أبو الليث
02-02-2026 06:15 PM
قد نفهم.. أو نتغاضى على مضض.. عن إنسان ضعف مرة.. فأخذ ما ليس له.. ميراثاً كان.. أو أمانةً.. أو حق عامل عنده.. أو سرقة صريحة.. أو حتى التفافاً ناعماً على القانون..
فنقول في سرّنا.. كسب الدنيا وخسر آخرته.. وختمنا الحكاية بميزان معروف.. دنيا زائلة.. مقابل حساب مؤجل.. مؤلم.. لكنه مفهوم في منطق النفس البشرية.. حين تضعف أمام الإغراء..
لكن ما لا يُفهم.. ولا يُغتفر.. أن تأخذ حق غيرك لا لتنتفع به.. بل لتقدمه قرباناً لغيرك.. هنا لا دنيا كُسِبت.. ولا آخرة سلمت.. هنا خسارة صافية.. حتى بلا أي شبهة ربح.. كأنك اخترت أن تكون الجسر الذي تعبر عليه الخطيئة.. دون أن تترك لك أثراً.. سوى الوزر..
تأمل معي حال مسؤول مالي.. أو مسؤول شؤون موظفين.. يقتطع من رواتب الموظفين.. ومخصصاتهم.. ونهاية خدمتهم بغير حق.. لا لأن جيبه جائع.. بل لأنه يعتقد أن مديره الأعلى.. أو صاحب العمل.. سيحب ذلك.. وأنه يوفر على الخزينة.. بغض النظر كان قطاعاً خاصاً.. أو عاماً.. فيقنع نفسه أنه يؤدي واجباً.. ويحقق وفراً.. أو يحمي المكان.. وينسى أنه يوقِع بيده على خصوماتٍ من أعمار الناس.. وأرزاق بيوتهم.. وينسى أن حقوق الناس ليست رقماً.. بل حياة كاملة معلّقة بها..
وانظر إلى مخمّن الحوادث في شركات التأمين.. الذي يتحول فجأة إلى لاعب حيل.. يفتش عن ثغرة.. يبالغ في وصف ضرر بسيط.. ويقلل من وصف آخر مؤثر.. يرهق صاحب المركبة في دوامة أوراق وتأجيلات.. لا لأنه سيدفع من ماله.. بل لأنه اعتاد أن يكون سوط الشركة على رقاب المتضررين.. ودليل الغبن يتضح في حصول المتضرر لأضعاف التعويض الذي تم تخمينه.. إذا ما كانت لديه القدرة على رفع قضية على شركة التأمين.. وفي المعتاد.. يخرج ذاك المخمن مطمئناً إلى بيته.. بينما ينام غيره على قلق وخسارة..
هؤلاء لم يسرقوا لأنفسهم.. بل سرقوا قلوبهم أولاً.. ثم وزعوها على غيرهم.. ظنوا أن نقل الظلم يخفف وزنه.. وأن تمريره للغير يبرئ الذمة.. فكانوا كمن يحمل النار بيديه.. ليضيء طريق غيره.. فاحترق وحده..
الرسالة هنا بسيطة وعميقة لمن يتعظ.. إن لم تستطع أن تنصر المظلوم.. فلا تكن أداة للظلم.. وإن لم تملك الشجاعة لقول لا.. فلا تتجمل بقول نعم على حساب حقوق الناس..
فهناك ذنوب لا يغفرها حسن السلوك.. ولا يمحوها الصمت الأنيق.. لأنها ببساطة.. لم تترك لصاحبها.. لا دنيا.. ولا آخرة..