المؤسسة المُدرِكة الرشيدة: من البيانات إلى الحكمة في صناعة القرار
البروفيسور يوسف العساف
02-02-2026 06:16 PM
لم تعد البيانات في عصرنا الحديث مجرد أرقام جامدة أو جداول صامتة، بل أصبحت المادة الخام التي يُبنى عليها الفهم، وتتشكّل من خلالها الرؤى، وتُصاغ على أساسها القرارات. فالبيانات عندما تُجمع وتُنظَّم وتُحلَّل تتحول إلى معلومات، وعندما تُفسَّر هذه المعلومات ضمن إطار أوسع من الفهم والخبرة تتحول إلى معرفة، وعندئذ فقط تصبح أساسًا صالحًا لاتخاذ قرارات جيدة وذات معنى.
غير أن الخطأ الشائع الذي تقع فيه كثير من المؤسسات هو الاعتقاد بأن البيانات وحدها كافية لاتخاذ القرار الصحيح. فالبيانات، مهما بلغت دقتها وحداثتها، لا تعكس الواقع كاملًا ما لم تُقرأ في سياقها الصحيح، ويُفهم الوضع المحيط بها فهمًا شاملًا. فهناك عوامل إنسانية، وثقافية، وزمنية، وقيمية، لا يمكن للبيانات أن تلتقطها دائمًا، لكنها قد تكون حاسمة في توجيه القرار.
من هنا تبرز أهمية "الحكمة" بوصفها المرحلة الأسمى بعد المعرفة. فالحكمة هي القدرة على الموازنة بين ما تقوله البيانات وما يفرضه الواقع، وبين ما هو ممكن نظريًا وما هو مناسب عمليًا، وبين القرار الأمثل حسابيًا والقرار الأرشد إنسانيًا. وقد يقود الفهم العميق للسياق إلى قرار يختلف عن ذلك الذي تشير إليه البيانات حرفيًا، لكنه يكون في جوهره القرار الرشيد.
أما في المؤسسات الحكومية، فقد تُظهر البيانات أن رقمنة الخدمات بالكامل تقلل زمن المعاملات وترفع رضا شريحة واسعة من المستخدمين. غير أن فهم السياق المجتمعي ويكشف وجود فئات غير قادرة على التعامل مع التقنيات الرقمية، مثل كبار السن أو ذوي الإعاقات أو محدودي الوصول إلى الإنترنت. "القرار الرشيد" لا يكون بإلغاء القنوات التقليدية فورًا، بل بالجمع بين التحول الرقمي والحلول البديلة الشاملة، بما يحقق العدالة ويعزز الثقة المجتمعية، حتى لو بدت الأرقام في البداية أقل كفاءة.
وفي القطاع الخاص، قد تشير تحليلات البيانات إلى أن إغلاق فرع معين بسبب انخفاض الأرباح قرار منطقي. لكن عند النظر للسياق الأوسع، قد يتبين أن هذا الفرع يخدم منطقة استراتيجية، أو يمثل نقطة حضور للعلامة التجارية، أو يشكّل مصدر توظيف رئيسي للمجتمع المحلي. القرار الرشيد هنا قد يكون بإعادة هيكلة الفرع بدل إغلاقه، لأن قيمته الاستراتيجية والاجتماعية تفوق خسارته المالية الآنية
عندما تتبنى المؤسسة هذا النهج، فإنها لا تكون مجرد مؤسسة قائمة على البيانات، بل تصبح مؤسسة رشيدة في قراراتها، واعية بمسؤولياتها، ومدركة لتعقيدات الواقع الذي تعمل فيه. مؤسسة لا تُسلِّم زمام أمرها للأرقام وحدها، بل توظف العقل والخبرة والقيم في تفسيرها وتوجيهها.
وفي هذا المعنى تتجلى دلالة قوله تعالى: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا﴾، فالحكمة هي الخير الذي يمنح للقرار معناه، وللمؤسسة رشدها، وللبيانات قيمتها الحقيقية. فهي الجسر الذي ينقلنا من المعرفة إلى الفعل الرشيد، ومن كثرة المعلومات إلى جودة القرار.
* رئيس جامعة روشستر الامريكية بدبي