الادارة والرقمنة: بين الواقع والطموح
أ. د. عادل الهاشم
02-02-2026 10:38 PM
في ظل التحولات والثورة التقنية المتسارعة لم يعد نمط الادارة التقليدية خيارًا في الوقت الحاضر بسبب التبعات والآثار السلبية التي سيتركها هذا النمط الاداري على مقدرات المؤسسة برمتها، وللأسف ما زالت هذه الإدارات تكرر وجودها وتُعيق التطور ومواكبة المستجدات، وانشغالها بقضايا ثانوية لا تقدّم سوى ضياع الوقت والجهد وزيادة التكاليف على مقدرات المؤسسة.
وفي واقع الحال أصبحت الإدارة الرقمية مطلبًا حتميًا يفرض نفسه على المؤسسات في القطاعين العام والخاص من أجل التميز وليس مجرد البقاء .
وعلى الرغم من التقدم الملحوظ في التحول الرقمي، إلا أن بعض الإدارات تفتقر إلى القدرة على التعامل مع هذه التقنيات وإدارتها واستغلالها الاستغلال الأمثل لتحقيق العوائد والفوائد المرجوة منها، حيث أصبحت الحاجة ملحّة لإعادة النظر في اختيار القيادات، وذلك بسبب الضرورة الملحة لإدارة رقمية متكاملة، وما زلنا نواجه تحديات جوهرية ترتبط بالواقع الإداري والتنظيمي والثقافي أكثر مما ترتبط بالبنية التقنية. فنحن بحاجة إلى إدارة رقمية تعمل على إعادة تصميم عمليات العمل بأسلوب يعتمد على البيانات والأنظمة الذكية، بما يضمن دقة وسرعة اتخاذ القرارات وخلق بيئة عمل مرنة تواكب المتغيرات المستقبلية، لكن مع الأسف على أرض الواقع لا تزال المؤسسات في كثير من الأحيان محكومة بالإدارات التقليدية والبيروقراطية في الإجراءات، مما يجعل التحول الرقمي أشبه بمحاولة تشغيل تطبيقات حديثة من خلال جهاز مستهلَك عفا عليه الزمن.
وعلى الرغم من وجود استراتيجيات للتحول الرقمي على مستوى الدولة والمؤسسات الوطنية، إلا أن التطبيق وواقع الحال داخل المؤسسات يتأثر بثقافة إدارية تقليدية لا تعتمد على مبدأ الكفاءة والحاجة إلى إدارة ترى التقنيات كنظام قيادة وليس أداة دعم فقط، وهنا تكمن الفجوة الحقيقية بين الواقع والطموح.
وبناءً على ذلك فإن مؤسسات الدولة ليست بحاجة إلى إدارة تقليدية اعتاد أن يُقاس نجاحها بقدرتها على السيطرة والرقابة القاتلة للإبداع والتقدم، وغالبًا هذا النوع من الإدارة يجد صعوبة في التكيف مع نموذج الإدارة الرقمية الذي يعتمد على الشفافية ومشاركة المعلومات وتمكين الكوادر، بدلًا من الإدارة التي تقوم على الافتراضات التقليدية الشخصية في إدارة المؤسسات.
وقد نجد أن أغلب المؤسسات امتلكت أنظمة إلكترونية متقدمة، ولكنها لا تُستخدم بكامل طاقتها لأن القرار في كثير من الأحيان لا يُبنى على مؤشرات رقمية، بل على اعتبارات شخصية أو إدارية تقليدية عفا عليها الزمن.
بالمقابل فإن الأردن يمتلك طاقات شبابية مؤهلة وقادرة على قيادة هذا التحول، كما يمتلك بنية تحتية رقمية جيدة مقارنة بالمنطقة، إلا أن تحول العقلية الإدارية أصبح أيضًا حتميًا، وقد أثبتت التجربة الأردنية أن الإرادة السياسية موجودة وأن المنظومة التشريعية بدأت تواكب التحول، وأن مشاريع التحول الرقمي على مستوى الحكومة بدأت تنعكس إيجابًا على الخدمات المقدمة للمواطنين، لكن التحدي الأكبر هو القيادات التقليدية التي لا تمتلك وعياً رقمياً وبناء بيئة مؤسسية تتقبل التغيير، لأن الإدارة الرقمية لا يمكن أن تُدار بعقلية ما قبل الثورة التقنية ولا يمكن أن تنجح في بيئة تخشى مشاركة المعرفة أو تتردد في اتخاذ القرار.
لذلك تبرز الحاجة الملحّة إلى مواءمة وتكامل استراتيجيات التحول الرقمي على مستوى المؤسسات ككل، وتغيير أنماط التفكير التقليدية لتصبح المؤسسات تعتمد على البيانات في اتخاذ القرارات. فالمستقبل لن يكون بامتلاك المؤسسات مبانٍ شاسعة، بل للتي تملك نظامًا رقميًا قادرًا على تتبع الخدمات والأداء المؤسسي بشكل عام في الوقت الحقيقي، وإن الانتقال نحو إدارة رقمية فاعلة في الأردن يتطلب تحولًا في اختيار القيادات الرقمية والمبادرة في إعادة هيكلة عمليات العمل الداخلية لمؤسسات الدولة للارتقاء بمستوى الخدمات وتقليل التكاليف.