لم يستوعب الجناح المتشدد في المؤسسة السياسية والعسكرية الإيرانية، أن حرب الـ12 يوما هي إعلان ختامي بانهيار منظومة الردع. وأكثر من ذلك لم تدرك أن دخول القوة العسكرية الأميركية ميدان المواجهة، يعني أن المكاسرة لم تعد محصورة في المواجهة مع إسرائيل.
وأبلغ دليل على سوء الفهم الإيراني الفادح، أن قيادة خامنئي، انشغلت بعد وقف إطلاق النار مباشرة، في إعادة بناء منظومتها الصاروخية، والبحث تحت الأنقاض عما تبقى من يورانيوم مخصب بعد القصف الأميركي لهائل لأكبر مفاعلاتها النووية.
والمفارقة في المشهد الإيراني ذاك، أنه وفي الوقت الذي كانت فيه قوات الحرس الثوري تشحذ الهمم لاستعادة قدراتها العسكرية، كان الرئيس الإيراني يستغيث طالبا الخلاص، في مواجهة أزمة اقتصادية خانقة، وانهيار سعر صرف الريال مقابل الدولار، لمعدلات لم يسبق لعملة أن بلغتها. ذلك كله وسط حصار اقتصادي وسياسي مشدد.
خطاب الإنكار والتشدد هذا هو في اعتقاد مراقبين، السبب الرئيسي، ربما، الذي استفز الجماهير الإيرانية للنزول إلى الشوارع احتجاجا وغضبا. وهو ما حاولت تل أبيب وواشنطن بسذاجة قاتلة توظيفه للإطاحة بنظام المرشد، دون إدراك لعواقب الانهيار غير المحسوب. ومن غير اكتراث لوقع هذا التدخل المكشوف على مزاج الشارع الإيراني.
ليست إيران الدولة التي يمكن تجاهل حضورها ودورها في الإقليم، أيا تكن هوية نظامها السياسي. كان يمكن لهذا الفهم أن يكون مدخلا لمقاربة جديدة تعيد تشكيل حضور إيران في المنطقة والعالم بعد السابع من أكتوبر.
إيران بخلاف دول كثيرة في المنطقة، تستطيع أن تحافظ على مكانتها ونفوذها دون الحاجة لأذرع عسكرية في دول الإقليم. كما لم يكن، ومن غير الضروري أن يكون الاعتراف الصريح بإسرائيل، الضمانة لاستمرار النظام الإيراني في الحكم.
وجود شخصية كالرئيس ترامب في البيت الأبيض، يوفر لإيران فرصة قد لا تتكرر لإبرام صفقة تاريخية، تستثني الشرط الإسرائيلي من بنودها.
إيران دولة نفطية تملك ثالث أكبر احتياطي في العالم، ولا تنقصها الطاقة لتبني مفاعلات تكلفت مئات المليارات، وجرى تدميرها في نصف ساعة. وطهران ليست بحاجة لصواريخ بالستية بمديات بعيدة لحماية مجالها الحيوي. التسوية على الملفين ممكنة مع إدارة مثل إدارة ترامب تبحث عن الصفقات لا عن الحروب.
أما قصة الأذرع، فلو لم تنته بعد السابع من أكتوبر، لكانت واجهت مأزق الاستمرارية مستقبلا في ظل تدهور الوضع الاقتصادي لإيران وعجزها عن تمويل جيوش تضخمت في عديد الساحات.
الأشهر التي تلت حرب الـ12 يوما، كانت فرصة ضائعة على إيران التي تصرفت كمنتصر في تلك الحرب، وبدأت تفرض شروطا أكثر تشددا لأي مفاوضات جديدة مع واشنطن، بينما الوقائع التي تشكلت بعد تلك المواجهة وما سبقها من انهيارات في جبهات المساندة وعواصم المحور، كان ينبغي أن تأخذ طهران صوب مسار مختلف لتجنب مواجهة أكبر تصبح الحرب الإقليمية فيها خيار طهران الانتحاري.
ثمة من يعتقد أن الفرصة لم تفت على تحول حاسم في المناخ السائد، يستبدل التهديدات العسكرية والبوارج الحربية، بغرف الحوار والدبلوماسية.
يبدو أن ترامب أكثر ميلا للصفقة ولا أقول المفاوضات بمنطق دبلوماسية السجادة الإيرانية. وإن لم يكتب لهذه الفرصة النجاح، فإن الأساطيل الأميركية التي أبحرت نحو المنطقة لن تعود فارغة اليدين.
"الغد"