نقل طوارئ إربد: بين التطوير الصحي والمسؤولية المجتمعية.
عيسى حداد
03-02-2026 09:45 AM
تشهد مدينة إربد مرحلة مفصلية في مسيرتها الصحية مع افتتاح مستشفى الأميرة بسمة الجديد في ضاحية الحسين، وهو إنجاز وطني مهم حظي برعاية ملكية سامية توجت بافتتاح جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين له مؤخراً في زيارة مباركة لمحافظة إربد، مما يعكس توجهاً واضحاً نحو تطوير البنية التحتية للقطاع الصحي وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين. غير أن هذا التطور، على أهميته، ترافق مع حالة من القلق المشروع لدى شريحة واسعة من أبناء المدينة، في ظل الأنباء المتداولة حول نقل قسم الطوارئ من موقعه الحيوي في منطقة البارحة إلى المستشفى الجديد، في ظل غياب إعلان رسمي كافٍ يوضح مصير الموقع القديم أو طبيعة الخدمات التي ستبقى فيه.
إن مستشفى الأميرة بسمة القديم في البارحة المعروفة بـ"حي المستشفى" لم يكن يوماً مجرد مبنى خدمي، بل شكّل على مدار عشرات السنوات الطويلة الماضية نقطة إسعاف أولى لعشرات آلاف، بل لمئات الآلاف من المواطنين في محافظة إربد، بحكم موقعه الجغرافي الاستراتيجي في قلب أكثر مناطق إربد كثافة سكانية، حيث يخدم أحياء: البارحة، حي التركمان، مخيم إربد، الحي الشرقي، فوعرا، أم الجدايل، بالإضافة إلى عدد من القرى المحيطة بالمحافظة وبعض الألوية أيضاً. وهذه الأهمية تتضاعف مع ازدحام طرق المدينة في أوقات الذروة، ما يجعل المسافة الإضافية إلى المستشفى الجديد عامل خطر حقيقي للحالات الحرجة التي يعتمد إنقاذها على الدقائق، لا على الإجراءات الإدارية.
إن الحديث عن تحويل المستشفى القديم إلى مركز صحي شامل، بصيغته العامة، يظل فكرة غير مكتملة ما لم تُعرَّف حدوده ووظائفه بدقة. فالمراكز الصحية، مهما توسّع دورها، لا يمكن أن تعوّض غياب الطوارئ العامة ولا المختبرات الحيوية، ولا تستطيع أن تؤدي الدور الإسعافي المطلوب في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية والحركة المرورية الكثيفة. وعليه، فإن المنطق الصحي السليم يفرض التعامل مع الموقع بوصفه منشأة استراتيجية، لا عبئاً يجب التخلص منه.
وانطلاقاً من هذا الفهم، يمكن طرح مسارين عمليين يحافظان على حق المواطن في خدمة طبية قريبة وسريعة، وفي الوقت ذاته ينسجمان مع مشروع التطوير الصحي القائم، وهما يستندان إلى نماذج عالمية ناجحة تعتمد على شبكات صحية متكاملة.
يقوم المسار الأول على الإبقاء على قسم الطوارئ والمختبرات والأقسام الحيوية في المستشفى القديم، ليعمل كفرع تابع للمستشفى الجديد يقدّم خدمات الطوارئ والرعاية الأولية، بينما يتخصص المقر الرئيسي في الحالات المتقدمة والعمليات الجراحية. هذا النموذج يعمل بنجاح في أنظمة صحية متطورة، ويضمن استمرار الاستجابة الإسعافية الفورية لسكان المناطق المحيطة، ويخفف الضغط المتوقع على المستشفى الجديد، خصوصاً في أوقات الذروة أو الطوارئ الكبرى. هذا الخيار لا يناقض التطوير، بل يكمله، ويؤسس لتوزيع عادل وعملي للخدمات الصحية داخل المدينة.
أما المسار الثاني، فيتمثل في استثمار بعض الطوابق أو المساحات المتاحة في المبنى لإنشاء كلية جامعية للتمريض والمهن الصحية، تتبع لوزارة الصحة، دون المساس بالدور العلاجي والإسعافي للمستشفى. هذا المقترح يُقدّم كحل تكاملي لا يفترض تحويل المستشفى كلياً إلى مؤسسة تعليمية، ويهدف لتحقيق استفادة مزدوجة، حيث يُطرح كفكرة تكاملية تهدف إلى تعظيم الاستفادة من البنية التحتية القائمة.
إن وجود كلية تمريض في موقع صحي فاعل يمكن أن يشكّل نموذجاً متقدماً يجمع بين التعليم والتطبيق العملي، ويسهم في إعداد كوادر وطنية مؤهلة، شرط أن يبقى المكان محتفظاً بطوارئ عاملة ومختبرات نشطة، تشكّل البيئة التدريبية الحقيقية للطلبة، وتوفّر في الوقت ذاته غطاءً إسعافياً للموقع ومحيطه السكاني.
إن جوهر هذين الطرحين لا يقوم على الإلغاء أو الاستبدال، بل على التخطيط الذكي الذي يحافظ على الوظيفة الإنسانية للمكان، ويطوّرها بما يخدم الحاضر ويستثمر للمستقبل. فالصحة العامة ليست مجالاً للتجريب ولا تحتمل الغموض، والشفافية في القرارات الصحية ليست ترفاً إدارياً، بل مسؤولية أخلاقية ووطنية.
إن تطوير القطاع الصحي في إربد، وهو موضع تقدير ودعم، يحتاج إلى رؤية شاملة توازن بين الإنجاز الجديد والحاجة القائمة. فالتخطيط الصحي الناجح لا يعني إهمال المراكز القائمة التي أثبتت كفاءتها، بل الحكمة تكمن في دمج القديم مع الجديد لبناء شبكة صحية متكاملة، تحفظ للمواطن شعوره بالأمان في أكثر اللحظات حساسية. فالمستشفيات لا تُقاس بحجم مبانيها فقط، بل بقدرتها على الوصول إلى الإنسان عندما يكون في أمسّ الحاجة إليها، وهو ما يحتم الحفاظ على المكاسب الخدمية المكتسبة مع تطويرها، لتحقيق الاستفادة القصوى للمواطن والمستشفى الجديد والمجتمع ككل.