facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




كيف أصبحتُ معارضا؟! ..


محمود الدباس - أبو الليث
03-02-2026 07:27 PM

لم أبدأ معارضا.. ولم أكتب يوما وأنا أبحث عن موقع في الضفة الأخرى.. بدأت من الناس.. من تفاصيلهم الصغيرة.. من القهر اليومي.. الذي لا يجد عنوانا.. كتبت في الشأن الاجتماعي لأنه الأقرب لليد.. وفي الإنساني لأنه الأكثر صدقا.. ومررت على السياسة والاقتصاد بحذر العارف بثقل الكلمة.. لا لأنني أخشاها.. بل لأنني أحترم أثرها..

ومع اتساع المدارك.. لم يعد الاكتفاء بوصف الوجع كافيا.. القضايا العامة بدأت تطرق الباب دون استئذان.. شكاوى تُحكى بصوت منخفض.. قصص تصطدم بجدار مسؤول.. أو مؤسسة.. فيلجأ أصحابها إليّ لا بحثا عن صراخ.. ولا تحريضا.. بل لأنهم يريدون مَن يقول الحقيقة دون أن يحرق الجسور.. فكنت أكتبها كما هي.. حادة على الخطأ.. مهذبة في لغتها.. منحازة للحق لا ضد أحد.. سليطة على الفساد والفاسدين..

شيئا فشيئا.. اكتشفت أن ما يُكتب لا يصل للشارع فقط.. بل يقرأه مسؤولون أيضا.. بعضهم يتفاعل بسرعة.. وبعضهم يختار الطريق الأطول.. لكن في المحصلة.. كان هناك تصويب.. معالجة.. تغيير ولو محدودا.. ولم يكن ذلك يزعجني.. ولا يغريني أيضا.. لأنني لم أكتب يوما طلبا لنيشان مَن فعلها.. أو مَن أوصلها.. بل إيمانا بأن الرسالة حين تصل.. فإنها تفعل فعلها.. ولو بعد حين.. فالله لا يضيع عمل أي إنسان يعمل بصدق وإخلاص..

هنا فقط فهمت معنى المعارضة الصحيحة.. أنها لا تبدأ بالصوت العالي.. ولا تنتهي عند الشتيمة.. هي موقف أخلاقي.. قبل أن تكون موقفا سياسيا.. ووعيٌ بأن الغاية ليست إسقاط الأشخاص.. بل تصويب المسار.. فالمعارض الحقيقي.. لا يقف ليشمت من الضفة المقابلة.. بل يقف في المنتصف.. حيث المسؤولية أثقل.. ليمنع السفينة من الغرق.. وهو يصرخ بالحقيقة دون أن يخرقها..

المعارضة التي آمنت بها.. تعرف ماذا تريد.. وماذا ترفض ولماذا.. تمتلك بوصلة لا تتبدل مع الريح.. وتفرق بين الخطأ والخصومة.. وبين الفشل والخيانة.. فلا تخلط الأوراق.. ولا تتاجر بالغضب الشعبي.. ولا تركب الموجة حين تعلو.. ثم تختفي حين تهدأ.. لأنها معنية بالإصلاح.. لا بالتصفيق.. وبالنتيجة.. لا بالضجيج..

هي معارضة تُحرج المسؤول بالفعل.. لا بالسب.. وتضغط بالحجة.. لا بالصراخ.. تفتح الملفات بالأرقام.. لا بالإشاعات.. وتضع البديل قبل أن تؤشر على الخطأ.. لأنها تدرك أن النقد الذي لا يقترح حلا.. مجرد تنفيس.. وأن كشف الخلل دون تصور للعلاج.. إطالة غير مباشرة لعمر الأزمة..

وهي أيضا معارضة شجاعة.. لا تخشى قول كلمة حق في وجه حكومة.. ولا تتردد في نقد جمهورها إن أخطأ.. لأنها لا تبحث عن شعبية مؤقتة.. بل عن أثرٍ طويل.. لا تتوانَ بشكر مَن يفعل خيراً للوطن.. تعززه وتتغنى به.. مع أنه من صلب عمله.. وتعرف أن الإصلاح طريق متعب.. وأن الوقوف في المنطقة الرمادية أصعب من الانحياز الأعمى.. لكنها تختاره لأنه الطريق الوحيد.. الذي لا يخون الفكرة.. ولا يفرغها من معناها..

ومن هنا وجدت نفسي في صف المعارضة الصحيحة الإيجابية.. المعارضة التي تُقلق الفاسد.. وتطمئِن العاقل.. وتُشعر الوطن أن هناك مَن يختلف لأجله.. لا عليه.. معارضة تفهم أن الخلاف ليس طعنا.. بل أحد أشكال الوفاء.. وأن النقد ليس هدما.. بل محاولة إنقاذ..

وأقولها بوضوح لا يحتمل التأويل.. معارضتي كانت وستبقى للحكومات حين تُخطئ.. ولأساليب الإدارة حين تفشل.. لا للدولة.. ولا لثوابتها.. ولا لرمزها الجامع.. فأنا أنتمي لهذا التراب الغالي.. وأفتخر بولائي للعرش الهاشمي.. ذلك الولاء الذي لم يكن يوما صمتا عن الخطأ.. بل حرصا على ألا يتراكم.. لأن الدولة القوية.. لا تخشى الكلمة الصادقة.. ولأن العروش الراسخة.. لا تهزها النصيحة.. بل تقويها..

هكذا أصبحت معارضا.. وطنياً.. إيجابياً.. أساهم في تصحيح الخطأ.. وليس فقط التاشير عليه.. وأحاول وضع ولو طوبة في مدماك صرح وطني.. لا بالضجيج.. ولا بالشتيمة.. بل بالكلمة المسؤولة.. والعقل الهادئ.. والضمير الذي يؤمن.. أن الوطن يستحق معارضة تحبه وتقويه.. بقدر ما تختلف معه..





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :