تأسيس مجلس اقتصادي استشاري ضرورة لتعزيز فعالية القرار
الدكتور معتز جريسات
03-02-2026 07:42 PM
مع التحديات الاقتصادية المتسارعة عالميًا، لا يمكن ترك الاقتصاد لردّات الفعل، ولا إدارة القرارات الكبرى بمنطق إطفاء الأزمات المؤقتة. هناك دائمًا مساحة ثالثة بين السياسة التنفيذية والواقع الاقتصادي المتغيّر: مساحة للتفكير الاستراتيجي العميق. هذه المساحة، في التجارب الدولية الناجحة، تُدار غالبًا عبر مجالس اقتصادية استشارية مستقلة، يكون عقلها في المستقبل وقدمها راسخة في الواقع.
قد يطرأ سؤال طبيعي: ما الفرق بين المجلس الاقتصادي الاستشاري المقترح والمجلس الاقتصادي الاجتماعي القائم في الأردن؟ الجواب يكمن في طبيعة الدور والتركيز. فالمجلس الاقتصادي الاجتماعي موجود بالفعل ويجمع بين الحكومة والمجتمع المدني والقطاع الاجتماعي لمناقشة السياسات الاقتصادية والاجتماعية بشكل عام، ويعمل ضمن إطار تشريعي محدد يربط بين السلطة التنفيذية وأصحاب المصلحة.
أما المجلس الاقتصادي الاستشاري، فهو هيئة مستقلة متخصصة تركز على تحليل الواقع الاقتصادي وصنع القرار بعيد المدى. يعمل بمعزل عن ضغط العمل التنفيذي اليومي، ويقدّم توصيات قائمة على المعرفة والخبرة. هو ليس بديلاً للمجلس القائم، بل يكمله، ويضيف بعدًا مستقبليًا يمكن الأردن من قراءة فرص الاقتصاد العالمي والمخاطر المحتملة بدقة أكبر، وبناء سياسات أكثر مرونة واستدامة.
في الأردن، حيث تتسارع التحولات الاقتصادية وتزداد التحديات المرتبطة بالاقتصادات الصغيرة المفتوحة، يبرز تساؤل مشروع حول أدوات صنع القرار الاقتصادي، ومدى قدرتها على مواكبة هذه التحولات بفعالية واستدامة. على الرغم من الجهود الحكومية المتواصلة، إلا أن تعقيد المشهد الحالي يفرض الحاجة إلى أطر مؤسسية داعمة، قادرة على تقديم قراءة استراتيجية أعمق للواقع الاقتصادي وما يحمله من فرص ومخاطر.
فالقرار الاقتصادي اليوم لم يعد محصورًا ضمن حدود داخلية أو معادلات تقليدية. بات مرتبطًا بسلاسل التوريد العالمية، وتغير أنماط الاستثمار، والتحولات في أسواق الطاقة والتمويل. هذا التشابك يجعل من الصعب على أي جهة تنفيذية، مهما بلغت كفاءتها، أن تجمع بين ضغط القرار اليومي ومتطلبات التخطيط بعيد المدى.
لذلك، يبرز المجلس الاقتصادي الاستشاري كجهة متخصصة، توفر رؤى دقيقة ودعمًا موضوعيًا للقرار الاقتصادي. كما يشكّل حلقة وصل فاعلة بين الحكومة والقطاع الخاص، من خلال نقل تحديات المستثمرين، وتحليل الفجوات بين التشريع والتطبيق، وتقديم توصيات عملية تلائم الواقع الاقتصادي. هذه الوظيفة لا تعزز الشراكة الاقتصادية فحسب، بل تسهم أيضًا في بناء سياسات قابلة للتطبيق وتتماشى مع احتياجات السوق.
التجارب الدولية تشير إلى أن وجود مجالس اقتصادية استشارية فاعلة يعزز استقرار السياسات العامة، ويرفع مستوى الثقة لدى المستثمرين، ويحسن بيئة الأعمال. وهذا مهم خصوصًا للدول التي تعتمد على جذب الاستثمار وتحفيز النمو. وفي الأردن، تكتسب هذه الثقة أهمية مضاعفة في ظل الحاجة المستمرة إلى استقرار تشريعي ووضوح في التوجهات الاقتصادية، وقدرة على إرسال إشارات إيجابية للأسواق المحلية والدولية.
إن تأسيس مجلس اقتصادي استشاري ليس إجراءً شكليًا أو إضافة إدارية، بل خطوة تعكس إدراكًا متقدمًا لأهمية التخطيط بعيد المدى وبناء رؤية اقتصادية قائمة على المعرفة والخبرة، في مرحلة تتطلب قرارات دقيقة ومتزنة أكثر من أي وقت مضى.
وعليه، السؤال المطروح اليوم لا يتعلق بجدوى تأسيس المجلس بقدر ما يتعلق بتوقيت هذه الخطوة: هل حان الوقت لإدارة الاقتصاد بعقل استراتيجي جماعي يستشرف المستقبل؟