facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




جَرّة قلم


بدران محمد بدران
03-02-2026 07:52 PM

في لحظة واحدة، وفي مساحة لا تتجاوز سطرًا، قد تتغيّر حياة إنسان بالكامل.
جرّة قلم.
توقيع.
ختم.

حركة يد لا تستغرق ثواني… لكنها قد تختصر أعوامًا من التعب، أو تفتح أبوابًا لم تكن في الحسبان، أو تُغلق نوافذ الأمل دفعة واحدة.

ليست “جرة القلم” مجرّد فعل إداري عابر، بل سلطة صامتة، حين تُستخدم بلا عدالة، تتحول إلى أداة قهر، وحين تُدار بحكمة، تصبح مفتاح إنصاف وبناء.

جرة قلم توقف الحياة

كم من موظف استيقظ صباحًا ليكتشف أن توقيعًا واحدًا أوقف مصدر رزقه؟
قرار نقل تعسفي.
إيقاف راتب.
تجميد مستحقات.
إنهاء خدمة دون مساءلة أو تحقيق عادل.

لم يكن السبب دائمًا ضعف الأداء أو مخالفة القانون، بل أحيانًا مزاج مسؤول، أو حسابات ضيقة، أو تصفية خلاف شخصي، أو رضوخ لضغوط خفية.
جرة قلم، فتتحول الجيوب إلى فراغ، ويصبح القلق رفيق الليل، وتبدأ الأسئلة المؤلمة:

كيف سأدفع؟
كيف أعيش؟
وأين العدالة؟

جرة قلم تُفرج… أو تُصادر

في المقابل، جرة قلم أخرى قد تُفرج مستحقات متراكمة منذ سنوات.
مكافأة معلّقة.
تعويض مؤجل.
حق مالي مؤجل بلا مبرر.

التوقيع ذاته، لكن الفرق في الضمير.
هنا، التوقيع يُنصف.
وهناك، التوقيع يُعطّل.

ليست المشكلة في القلم، بل في اليد التي تمسكه، وفي العقل الذي يوجّهه، وفي المنظومة التي تسمح بأن يصبح التوقيع سلطة مطلقة بلا رقابة.

جرة قلم تفصل… وأخرى توظّف

كم من كفاءة حقيقية أُقصيت بقرار إداري؟
وكم من شخص جلس في منصب لا يستحقه لأن توقيعًا كُتب بالواسطة والمحسوبية؟

جرة قلم فصلت مجتهدًا لأنه “لا يملك ظهرًا”.
وجرة قلم وظّفت آخر لأنه يملك اسمًا، أو نسبًا، أو علاقة.

هنا، يتحول التوقيع من أداة تنظيم إلى أداة ظلم طبقي، تُعيد إنتاج الفشل، وتكسر ثقة المجتمع بالمؤسسات، وتقتل روح المبادرة، وتدفع الكفاءات إلى الإحباط أو الهجرة أو الصمت.

جرة قلم تشعل حربًا… وأخرى تصنع سلامًا

على مستوى أوسع، ليست جرة القلم حكرًا على الأفراد.
في التاريخ الحديث، توقيع واحد أشعل حربًا، وتوقيع آخر أوقفها.

قرار إعلان حرب.
مرسوم اجتياح.
أمر عسكري.

وفي المقابل:
اتفاق سلام.
معاهدة وقف إطلاق نار.
وثيقة مصالحة.

قلم يقتل آلاف الأرواح.
وقلم ينقذها.

جرّة قلم رسمت حدود دول، ومزّقت أوطانًا، وأعادت تشكيل خرائط العالم.
والفارق دائمًا… لم يكن في الحبر، بل في الرؤية الأخلاقية لمن وقّع.

حين تصبح جرة القلم واقعًا مريرًا

الواقع المرير أن كثيرًا من الناس لا يسقطون بسبب فشلهم، بل بسبب قرارات فوقية لا تراعي الإنسان.
يسقطون لأن التوقيع سبق العدالة.
ولأن القرار لم يُراجع.
ولأن المساءلة غابت.

وهنا يصبح التوقيع سلاحًا أبيض:
لا يُريق دمًا، لكنه يقتل الطمأنينة، ويستنزف الكرامة، ويُطفئ الروح.

بين السلطة والمسؤولية

في الدول التي تحترم الإنسان، التوقيع ليس امتيازًا مطلقًا، بل أمانة.
يُراجع.
يُحاسب.
يُطعن فيه قانونيًا إن ظلم.

أما في البيئات الهشّة، فالتوقيع يصبح قدرًا لا يُرد، وحكمًا لا يُستأنف، وسلطة لا تُسأل.

وهنا تُطرح الأسئلة الصعبة:

من يراقب الموقّع؟

من يحاسب صاحب القرار؟

كيف نمنع جرة القلم من أن تتحول إلى أداة تدمير؟

التحرر من أثر جرة القلم

في لحظات الانكسار، حين يتوقف العمل، وتفرغ الجيوب، ويشتد البرد في الروح قبل الجسد، يبدأ الصراع الحقيقي.
ليس مع القرار… بل مع الداخل.

إما أن نغرق في الحقد، والانتقام، واستحضار المظالم،
أو أن نعي أن التحرر الحقيقي يبدأ حين نغسل القلب من أثر الظلم.

العفو ليس ضعفًا، بل تحرير للنفس من أسر الماضي.
والصفح ليس نسيانًا للحق، بل استعادة للسيطرة على الحاضر.

من جرة قلم إلى جرة وعي

حين يدرك الإنسان أن قيمته لا تختصر في توقيع، ولا يُحدّدها قرار، ولا تُقاس بورقة…
يبدأ التحول.

تنظيم الأفكار.
إعادة بناء الأهداف.
تحرير العقل من شوائب الغضب.
والانطلاق من جديد.

قد توقفك جرة قلم اليوم،
لكن جرة وعي قد تعيدك أقوى غدًا.

خاتمة

جرة القلم ستبقى موجودة.
والتوقيع سيظل سلاحًا ذا حدّين.
لكن الفرق الحقيقي تصنعه منظومات عادلة، وضمائر يقظة، ومجتمعات لا تصمت عن الظلم.

أما الفرد، فمعركته الأهم ليست مع القلم…
بل مع اليأس.

وحين ينتصر على داخله،
لا تعود أي جرة قلم قادرة على كسر روحه،
بل تصبح مجرد فصل… في قصة صعود أطول.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :