facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يصبح الانتماء قناعًا .. وتُدان الحقيقة باسم «العقل»


أ. د. هاني الضمور
04-02-2026 03:28 PM

في كل مرحلة تاريخية يختل فيها الميزان الأخلاقي، يظهر خطاب يطالب بضبط النبرة لا بتصحيح الجريمة، وبتهذيب اللغة لا بمساءلة الفعل. يتقدّم هذا الخطاب غالبًا على ألسنة من يعرّفون أنفسهم كنشطاء اجتماعيين، دعاة حوار واعتدال، مطالبين بالإكرام واللياقة حتى حين يكون الطرف الآخر دبلوماسيًا أو ممثلًا رسميًا لدولة تمارس الإجرام أو تدعم الإبادة. هنا لا يعود السؤال عن الأسلوب، بل عن المعنى: هل تغيّر الصفة الدبلوماسية من حقيقة الفعل؟ وهل تمنح البدلة الرسمية حصانة أخلاقية؟

الانتماء، في معناه القيمي والتاريخي، لم يكن يومًا زينة خطاب ولا أداة مجاملة. كان التزامًا أخلاقيًا يفرض وضوحًا في الموقف، خصوصًا عند الاختبار. لكن أخطر ما نشهده اليوم هو تحويل هذا الانتماء إلى قناع يُستخدم لتبرير الصمت، أو لتأنيب من يرفع صوته في وجه الظلم، بحجة الحفاظ على “الصورة الحضارية” أو “الخطاب المسؤول”. وحين يُطلب من المظلوم أن يكون مهذبًا أكثر من اللازم، فإن المشكلة لا تكون في الأخلاق، بل في وظيفتها.

الدبلوماسية، في أصلها التاريخي، وسيلة لتنظيم العلاقات، لا لإلغاء الحقائق. ولم تكن يومًا مرادفًا للبراءة أو دليلًا على النزاهة. الممثل الدبلوماسي لا يمثل نفسه، بل سياسات دولته. وحين تكون تلك السياسات قائمة على القتل أو الحصار أو دعم الإبادة، فإن مطالبة الناس بإكرامه بوصفه “ضيفًا” تتجاهل حقيقة تمثيله، وتحوّل اللياقة إلى أداة فصل مصطنعة بين الفعل ومسؤوليته.

النشاط الاجتماعي، حين ينفصل عن القيم، يتحول إلى أداء شكلي. يصبح الهدف هو الظهور بمظهر المتزن، لا اتخاذ موقف. ولهذا يُختزل النقاش في نبرة الصوت، لا في مضمون الاعتراض. يُلام الغاضب لأنه غاضب، لا لأن الغضب له سبب. ويُطالَب المجتمع بأن يحترم ممثل الدولة المجرمة، لا أن يحترم دم الضحايا. هذا ليس سلوكًا حضاريًا، بل إعادة ترتيب للأولويات على حساب العدالة.

التاريخ الإنساني يقدّم درسًا ثابتًا: الأخلاق لا تُقاس بمدى تهذيبها، بل بمدى اتساقها مع الحقيقة. لم تُحفظ القيم لأن أصحابها كانوا دائمًا هادئين، بل لأنهم كانوا واضحين. وفي كل مرة تحوّل فيها ضبط اللغة إلى بديل عن تسمية الجريمة، كانت النتيجة تآكل المعنى، لا تهدئة الصراع.

وحين تُدان الحقيقة باسم “العقل”، فإن العقل المقصود هنا ليس التفكير النقدي، بل عقل منزوع الذاكرة والسياق. عقل يساوي بين الاحتجاج والإساءة، وبين التسمية والمبالغة، وبين الغضب المشروع والفوضى. هذا العقل لا يسأل: ماذا يفعل هذا الدبلوماسي؟ بل يسأل: لماذا نحرجه؟ وكأن المشكلة في كشف الموقف لا في الموقف ذاته.

في التجربة التاريخية، لم يكن للحياد قيمة أخلاقية حين يكون أحد الطرفين معتديًا. الحياد في هذه الحالات لا يوازن، بل يعلّق المسؤولية. والدعوة إلى اللياقة المطلقة أمام ممثلي الإجرام ليست حيادًا، بل انحيازًا ناعمًا، لأنها تطلب من طرف واحد فقط أن يقيّد نفسه: الطرف الأضعف، الطرف المتضرر.

الأخطر أن هذا الخطاب يُغلّف أحيانًا باسم الانتماء الاجتماعي أو العشائري أو الوطني. يُستدعى الاسم الكبير ليمنح الموقف شرعية، بينما الفعل يناقض جوهر هذا الانتماء. فالانتماء لم يُخلق ليكون مظلة صمت، بل إطارًا للمسؤولية. ومن يستخدمه ليطالب الآخرين بالصمت أو المجاملة أمام الجريمة، يفرغه من قيمته بدل أن يحميه.

التاريخ لا يحتفظ بسجل البروتوكولات، بل بسجل المواقف. لا يسأل كيف استُقبل الممثلون الرسميون، بل كيف وُوجهت السياسات التي مثّلوها. وكل من يراهن على أن الدبلوماسية ستغسل الفعل، ينسى أن الألقاب لا تغيّر الوقائع، وأن الجرائم لا تفقد معناها بتغيير اللغة.

في النهاية، الانتماء الحقيقي لا يحتاج قناعًا، والنشاط الاجتماعي لا يكتمل دون شجاعة أخلاقية. أما العقل، فلا يكون عقلًا حين يُستخدم لإدانة الحقيقة أو لتأديب الغاضبين، بل حين يُستخدم لتسمية الأشياء بأسمائها. وحين يُطلب من الناس أن يكرموا ممثل الجريمة لأنه دبلوماسي، فالسؤال لم يعد عن الأسلوب، بل عن البوصلة: هل ما زال العقل في خدمة القيم، أم أصبح القيم في خدمة الخطاب؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :