الشركات الحكومية وتشخيص واعد
رامي خريسات
05-02-2026 01:29 PM
يقدم تقرير ديوان المحاسبة الأخير قراءة مهنية لواقع الحوكمة في الشركات التي تمتلك الحكومة 50 % فأكثر من رأسمالها، واضعا نفسه كأداة عملية بيد صانع القرار. أهم ملامحه أن الأردن ما يزال أقرب إلى نموذج «المالك الإداري» منه إلى «المالك الإستراتيجي» كما توصي منظمة OECD، مما يؤسس لمسار إصلاحي ننتظره متفائلين بقادم التقارير.
لكن على مستوى النضج الحوكمي، تبرز نماذج مشرفة نموذجية بنسبة (8 %)، مثل شركة السمرا لتوليد الكهرباء وشركة المطارات الأردنية، مما يثبت قدرة شركاتنا الوطنية على مضاهاة أعلى المعايير العالمية؛ وذكرها بالاسم هو تقدير لتفوقها وتحفيز للآخرين على الحذو حذوها. ورغم أن النسبة الأكبر لا تزال في «المستوى الأولي» (42 %)، إلا أن هذا الرقم يُقرأ كفرصة للتطوير ضمن مرحلة انتقالية واعدة، تصب في سياق الالتزام الحكومي المعلن بتحديث إدارة الأصول العامة وتعزيز أطر الحوكمة الشاملة.
سلّط التقرير الضوء على مجالس الإدارة باعتبارها الحلقة الأكثر حساسية في منظومة الحوكمة. فالممارسة الفضلى، وفق معايير OECD، تقوم على مجالس مستقلة، مهنية، صغيرة الحجم، تخضع لتقييم سنوي واضح، وتعمل من خلال لجان تدقيق ومخاطر فعالة. لا أن تعاني من ضعف في تفعيل هذه اللجان في عدد من الشركات بشكل يخل بمنظومة الرقابة الداخلية.
التقرير يتضمن تحدياً جوهرياً هو تراكم الخسائر، حيث بلغت خسائر 13 شركة ما يزيد على 487 مليون دينار في عام 2024، في أجواء من التأخر في الإفصاح المالي، إذ لم تصدر 14 شركة بياناتها المالية المدققة لعام 2024 ضمن المهل القانونية، مما يؤثر على شفافية الأداء وقدرة أصحاب القرار على اتخاذ قرارات مبنية على بيانات مكتملة.
كما برزت إشكاليات تتعلق بتداخل الأدوار وتعارض المصالح، حيث لوحظ في بعض الحالات تكليف أعضاء من مجالس الإدارة بمهام تنفيذية، بما في ذلك الإشراف على وحدات التدقيق الداخلي، وهو ما يتعارض مع مبدأ الاستقلالية ويحد من فعالية الرقابة.
ولا ننسى ما ورد من تفاوت في نسب الاستجابة الرقابية من ضعف الالتزام بتصويب المخالفات؛ حيث وصلت نسبة الاستجابة في بعض القطاعات إلى 20 % فقط، بجانب تكرار بعض المخالفات ضمن تقرير 2024 كما في سابقاته من التقارير.
التوجه الإصلاحي الأبرز تمثل بالتحول التدريجي من الرقابة المسبقة إلى الرقابة اللاحقة (Ex-post): المبنية على المخاطر، مما يعزز استقلالية المؤسسات والديوان، وينقل المسؤولية الأولية إلى وحدات الرقابة الداخلية، ويخرج الديوان من الانغماس في التفاصيل الإجرائية ومن التدقيق اليومي للمعاملات والتواقيع، ويسهم في تقليص حلقات الموافقات المسبقة، وبالتالي تفريغ الديوان لدوره الأسمى في تقييم النتائج، وقياس كفاءة الإنفاق وتعظيم الأثر من المال العام.
الأهم ضمن المحاور المركزية هو تبني مفهوم القيمة مقابل المال (Value for Money) والداعي إلى قياس أداء الشركات الحكومية ليس فقط من خلال الربحية أو الخسارة، بل بكفاءة استخدام المال العام، وربط أي دعم أو ضمانات حكومية بنتائج أداء حقيقية، إلى جانب تقييم جدوى استمرار الحكومة في ملكية بعض الشركات إذا لم تعد تحقق أهدافها الاقتصادية أو الخدمية.
الحاجة تقتضي التركيز على تفعيل مجالس الإدارة كجهة توجيه ومساءلة لا جهة تنفيذ، وربط تقييمها بمؤشرات أداء (KPIs) واضحة. وإيلاء الاهتمام بالحوكمة الرقمية لضمان دقة البيانات وتقليل التدخل البشري، مما يسرع من عملية المساءلة.
هذا التشخيص يغطي بدايات عمر الحكومة الحالية وأكثره لما قبلها، وهي التي جاءت في سياق إصلاحي يتسم بالجدية في معالجة الملفات العالقة وتطوير الأداء المؤسسي. لذلك التفاؤل عارم بأن تتضح ملامح الحوكمة الرشيدة بشكل أعمق في تقرير الديوان القادم، ليشهد الواقع المؤسسي نقلة نوعية في معالجة الانحرافات الإدارية والمالية، بما يضمن استدامة الموارد الوطنية وتعظيم العائد الإستراتيجي للدولة.
الغد