facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ويل للمطفّفين في بيئات العمل، الكيل بمكيالين!


د. جهاد يونس القديمات
05-02-2026 01:41 PM

حين نقرأ عبارة ويل للمطفّفين قد يبدو لنا أنها تنتمي إلى عالم بعيد عن المكاتب الحديثة والاجتماعات وتقارير الأداء، لكنها في الحقيقة تمس جوهر الحياة المنظمية اليوم، فالطفف، بمعناه البسيط، هو أن تأخذ أكثر مما تعطي، أو أن تطالب الآخرين بالكمال بينما تمنحهم القليل من العدل والإنصاف، وفي المنظمات، لا يكون الطفف في الوزن والميزان، بل في القرارات، والتقييم، وتوزيع الفرص، وطريقة المعاملة اليومية.

في كثير من بيئات العمل، لا يعاني الموظفون من ضغط المهام بقدر ما يعانون من غياب العدالة، فمدير يضع القوانين ثم يفسرها وفق الأشخاص، يطالب الجميع بالالتزام، لكنه يتساهل مع فئة معينة، يرفع سقف التوقعات، ويخفض سقف التقدير، هذا السلوك، وإن بدا بسيطا في ظاهره، يشكل جوهر الطفف الإداري، معايير مكتوبة، وتطبيق انتقائي.

من أكثر صور الطفف شيوعا هي الكيل بمكيالين، فموظفان يرتكبان الخطأ نفسه؛ أحدهما ينبه بهدوء، والآخر يوبخ أمام زملائه، وموظفان ينجزان المهمة ذاتها؛ أحدهما يشاد به في الاجتماعات، والآخر يمر جهده بصمت، ومع تكرار هذه المشاهد، يتكون وعي غير معلن داخل المنظمة مفاده أن العدالة ليست قاعدة ثابتة، بل احتمال مرتبط بالأشخاص لا بالأداء.

من الأمثلة القريبة من تجربة الجميع، مسألة الدوام والانضباط، تراقب دقائق الحضور والانصراف للموظفين بدقة شديدة، بينما يسمح للمدير أو للمقربين منه بالتأخير أو الغياب دون تفسير أو مساءلة، فالرسالة هنا واضحة ولا تحتاج إلى شرح، القواعد وضعت للبعض لا للجميع، ومع الوقت، يفقد الانضباط معناه، ويتحول إلى إجراء شكلي بلا روح أو قناعة.

يظهر الطفف كذلك في توزيع الفرص داخل المنظمة، فدورات تدريبية، ومهام نوعية، ومشاركات خارجية، أو فرص تمثيل المنظمة، تمنح لموظفين محددين بشكل متكرر، دون معايير واضحة أو آلية شفافة، في المقابل، يطلب من الآخرين الانتظار، والصبر، وإثبات الجدارة مرة بعد مرة، دون أن تأتي الفرصة، هذا النوع من الطفف لا يسبب الإحباط فقط، بل يقتل الإحساس بالمستقبل، ويجعل الطموح عبئا بدل أن يكون دافعا.

أما الشفافية، فهي من أكثر المجالات التي يتسلل إليها الطفف بهدوء، فقرارات تتخذ فجأة، دون شرح كاف، ثم يطلب من الموظفين تقبلها باسم المصلحة العامة، وفي الوقت نفسه، يحصل بعض الموظفين على تفسيرات خاصة أو معلومات مبكرة، تتيح لهم الاستعداد أو التكيف، هذا التفاوت في المعرفة يخلق شعورا بالاستبعاد، ويغذي الشكوك، ويضعف الثقة في النوايا.

السؤال هنا: لماذا يقع بعض المدراء في هذا السلوك؟.

الأسباب متعددة، أحيانا يكون الدافع الخوف، الخوف من فقدان السيطرة، أو من مواجهة المقربين، أو من اتخاذ قرارات غير شعبية، وأحيانا يكون السبب ضعف الخبرة القيادية، حيث يخلط المدير بين الحزم والتمييز، وبين المرونة والمحاباة، وفي حالات أخرى، تكون المشكلة أعمق، مرتبطة بثقافة منظمية قديمة اعتادت الظلم الصغير، واعتبرته أمرا طبيعيا مع مرور الوقت.

البعض يبرر هذا الطفف بعبارات تبدو منطقية للوهلة الأولى، فليس كل الناس سواء، أو هذا الشخص حساس، أو ذاك لا يتحمل الضغط، لكن المشكلة ليست في اختلاف الناس، فهذا أمر طبيعي، بل في اختلاف المعايير، فالعدل لا يعني معاملة الجميع بالطريقة نفسها، بل يعني أن تكون القواعد واضحة، معروفة، وتطبق على الجميع دون استثناء أو مفاجآت، ونتائج الطفف لا تظهر فجأة، بل تتراكم ببطء، وغالبا دون أن تنتبه لها الإدارة، وأول هذه النتائج هو انخفاض الثقة، فحين تختفي الثقة، يتحول العمل من مساحة تعاون إلى ساحة حذر، ويؤدي الموظف مهامه لأنه مضطر، لا لأنه مقتنع، والنتيجة الثانية هي تراجع الدافعية؛ فالموظف المجتهد يتوقف تدريجيا عن بذل أقصى جهده حين يرى أن الجهد لا يقاس بعدل.

مع الوقت، يصبح الأداء العام متوسطا، لأن التميز لا يجد بيئة تحميه أو تكافئه، ثم تأتي نتيجة أخرى أكثر خطورة، وهي هجرة الكفاءات، الأشخاص القادرون على الاختيار يغادرون بحثا عن بيئات أكثر إنصافا، بينما يبقى من اعتادوا التعايش مع الظلم، وهنا تخسر المنظمة أهم ما لديها، العقول الحية، والخبرات الجيدة، والضمائر المهنية.

بعد ذلك، تبدأ سلوكيات منظمية سلبية بالظهور، لامبالاة، وغياب متكرر، وشكاوى صامتة، ومقاومة غير مباشرة، والعمل بالحد الأدنى وبأقل جودة وأعلى تكلفة، وقد تبدو هذه السلوكيات فردية في البداية، لكنها في الواقع مؤشرات على خلل أعمق في الميزان الداخلي للمنظمة.

على المدى البعيد، تتحول المنظمة التي يمارس فيها الطفف إلى بيئة متعبة، كثيرة التوتر، قليلة الإنجاز، حتى لو بدت ناجحة في الأرقام والمؤشرات، فهي تبني نتائجها على استنزاف داخلي، لا على صحة منظمية حقيقية، ومع أي أزمة أو تغيير قيادي، تظهر الهشاشة سريعا.

العلاج، في جوهره، ليس معقدا، يبدأ بـوضوح المعايير، وبالالتزام الحقيقي بتطبيقها على الجميع، وبالاستعداد للاعتراف بالأخطاء حين تصدر من الإدارة قبل غيرها، ويستمر بـالتواصل الصادق، وشرح القرارات، واحترام عقول العاملين ومشاعرهم، فالمدير العادل لا يعني القائد المثالي، بل القائد المتسق، الذي يقول ما يفعل، ويفعل ما يقول.

ويل للمطفّفين في المنظمات ليست وعيدا أخلاقيا مجردا، بل حقيقة إدارية واضحة، فلا يمكن بناء بيئة عمل صحية فوق ميزان مائل، فالعدل ليس شعارا يعلق على الجدران، بل ممارسة يومية، ومتى استقام الميزان، استقامت النفوس، وازدهرت المنظمات.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :