facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




{كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ} .. فضائح إبستين نموذجًا


د. محمد حيدر محيلان
06-02-2026 11:52 AM

لم تكن فضائح جيفري إبستين مجرد انحراف أخلاقي فردي، ولا قصة شذوذ يمكن احتواؤها في إطار جنائي ضيق، بل كانت لحظة كاشفة لانهيار منظومة كاملة حين اجتمع المال المنفلت، والنفوذ المحصَّن، وغياب المحاسبة. ما جرى في تلك الجزيرة المعزولة لم يكن حدثًا طارئًا على التاريخ الإنساني، بقدر ما كان صورة حديثة لقانون قديم يتكرر كلما تُرك الإنسان بلا حدٍّ يردعه.

القرآن الكريم لم يتعامل مع الطغيان بوصفه حالة استثنائية تخص فئة بعينها، بل قدّمه باعتباره قابلية إنسانية تنشط في ظرف محدد، لخّصه بدقة لافتة في قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ }. فالطغيان لا يولد من فراغ، ولا ينشأ فجأة، وإنما يبدأ حين يرى الإنسان نفسه في موقع الاستغناء، ويشعر أنه لم يعد بحاجة إلى الله، ولا إلى المجتمع، ولا إلى القانون.

في تلك اللحظة، لا ينهار الإنسان دفعة واحدة، بل يبدأ مسار تآكل داخلي هادئ. تخفّ حساسية الضمير، وتضعف فكرة الخطأ، وتتراجع الحدود الفاصلة بين المباح والمحرّم. ومع الوقت، يتحول السلوك المنحرف من زلّة عابرة إلى نمط متكرر، لا تحرّكه الحاجة بقدر ما تقوده الرغبة في اختبار القوة وكسر السقوف.

ولهذا جاء الوصف القرآني الحاسم: {أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا}. لم يُقصد بهذا التشبيه التقليل المجازي، بل الإشارة إلى مفارقة أخلاقية خطيرة؛ فالحيوان محكوم بغريزته وحدود فطرته، يأكل ليعيش ويتزاوج ليبقى ويتكاثر فقط ، بينما الإنسان حين يطغى يتجاوز تلك الحدود بإرادته. فالبعض لا ينتهك بدافع الجوع، ولا يعتدي بدافع الخوف، بل يفعل ذلك بحثًا عن لذة السيطرة وإثبات التفوق، فينحدر إلى مستوى تترفع عنه البهائم.

المشكلة أن (وهم الاستغناء) لا يصنع الاكتفاء، بل يخلق فراغًا داخليًا متسعًا. فكلما اتسعت دائرة الامتلاك، ارتفع منسوب التطلّب، فهو يريد ويريد ويريد لان حاجة المتعة الغريزية الاساسية أُشبِعَت ، ونو يريد زيادة قدرة المتع الطبيعية على الإشباع. عندها يبدأ البحث عن الإثارة في مناطق أكثر تطرفًا وانحرافاً، ويغدو تجاوز المحرّم هدفًا بحد ذاته، لا وسيلة لإشباع غريزة.

هذه الحقيقة النفسية والاجتماعية عبّر عنها القرآن بوضوح حين قال: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ}. فالآية لا تنتقد الرزق، ولا تهاجم الثراء، لكنها تحذّر من التوسعة غير المنضبطة، لأن النفس البشرية إذا أُطلقت بلا ميزان، تميل إلى البغي والظلم والتطرف لا إلى الاشباع والتنعم والعمران.

وعندما يصل الطغيان إلى هذا المستوى، لا يقتصر أثره على الفعل ذاته، بل يطال طريقة التعامل معه والتأثير على العدالة بعد انكشافه . فالاستغناء او الغنى المبطِر لا يعني فقط تجاوز القيم، بل يمتد ليشمل تحييد العدالة نفسها. وفي هذا الإطار، تبدو نهاية إبستين داخل زنزانته—سواء قُدّمت رسميًا بوصفها انتحارًا، أو أُحيطت بعلامات استفهام—أقرب إلى إغلاق ملف منها إلى نهاية قصة. ففي القضايا التي تتشابك فيها الثروة الهائلة مع النفوذ السياسي والإعلامي، كثيرًا ما يصبح الغموض خيارًا أقل كلفة من الحقيقة، وأقل تهديدًا لمنظومات قائمة على الحصانة والإفلات من المساءلة.لهذا فإن الكيفية التي ارادوا انهاء القصة بها ، وكيفية انتهاء حياة ابستين توجهنا للسبب الذي يجعل استكمالها أمرًا غير مرغوب فيه.

لم يأتِ الإسلام، في جوهر خطابه، ليقمع الإنسان أو يكبت غرائزه، بل ليضع له إطارًا يحفظ إنسانيته وينظم حياته، فوضع منظومة من القيم تضبط سلوك المسلم والانسان. فالحدود ليست قيودًا تعسفية، بل صمامات أمان تمنع النفس من الانفلات. والتقوى ليست حرمانًا، بل وعي دائم بالحد، وتذكير مستمر بأن الإنسان عبد لا رب، ومستخلف لا مالك مطلق والعبد يطبق أوامر سيده وخالقه.

وحين يفقد الإنسان هذا الوعي، لا يصعد، بل يسقط. وحين يتوهم (الاستغناء) بكل معانيه عن الخالق والمخلوقات، يبدأ الطغيان. وحين يطغى، لا يتوقف عند حد، حتى يبلغ دركًا تنطفئ فيه المعاني الإنسانية قبل أن تنطفئ القوانين.

ان فضائح النخب المنفلتة ليست أخبارًا صادمة بقدر ما هي إشارات تحذير. فالقرآن لا يقرأ هذه الوقائع بوصفها استثناءات، بل باعتبارها نتائج منطقية لمسار يبدأ (بالاستغناء) وينتهي بانهيار الضبط الداخلي. حين يفقد الإنسان إحساسه بالحد، لا يحتاج إلى دافع إضافي ليتجاوز كل شيء؛ يكفيه أن يظن أنه فوق الحاجة وفوق المساءلة. هناك، لا يسقط القانون أولًا، بل تسقط الإنسانية، ويصبح الطغيان نتيجة طبيعية لوهم الاستغناء.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :